علاء الدين أبو زينة

الطريق إلى الانتخابات..!

تم نشره في الأحد 26 حزيران / يونيو 2016. 12:07 صباحاً

ليس الطريق إلى الانتخابات هو المسافة القصيرة الفاصلة بين تحديد موعدها وتاريخ عقدها. إنه بالأحرى الطريق الأطول كثيراً بين قرار عقد انتخابات كحاضر سياسي، وبين تكريسها كممارسة شعبية تُحدث فارقاً واضحاً على مستوى التجربة الفردية والمسيرة الوطنية. وبالضرورة، سوف تتغير كل مناخات التحضير للانتخابات والطريق إليها اعتماداً على كون هذه الممارسة مجرد اختيار عرَضي، وبين كونها مكوناً ناضجاً من جسم الديمقراطية.
لا ينبغي أن تكون فترة التحضير للانتخابات الدورية مجرد تغيير عارض في المشهد البصري للشوارع، باليافطات والصور المعالجة بالـ"فوتوشوب". وتحشيد الناخبين لا يكون بالولائم وسهرات التسلية والخطابات الفردية. وإنما يفترض أن تكون هذه الفترة شُغلاً للعقل في وزن الخيارات بين برامج متنافسة، يعرض كل منها رؤية وطنية واضحة المقدمات والنتائج المتوقعة. ويجب أن تتنافس هذه البرامج بمنطقها وقابليتها للتحقق وإيجابية آثارها. ولا يجب أن يكون المواطن طريدة وصيداً للمرشحين، وإنما صاحب القرار المتحكم في مصائر الحملات، فشلاً أو نجاحاً.
أبسط مقياس لجدوى الانتخابات، هو ملاحظة فروقات جوهرية في الحياة العامة والشخصية بين ما قبلها وما بعدها. وإذا تكرَّس الانطباع بأن الانتخابات تفرز هيئات لا يختلف حضورها مطلقاً عن عدمه، فإن الانتخاب كله يصبح جهداً عدَمياً. ولذلك بالضبط، سوف تكون "القواعد الانتخابية" الوحيدة المعنية بالمشاركة، هي أبناء بلد المرشح أو عشيرته أو جيرانه الذين يناصرونه لأجل رابطة الدم أو التخجيل؛ أو الذين يعملون معه إذا كان صاحب أموال وأعمال؛ أو الذين يجدون في الحدَث مناسبة للاسترزاق وبيع أصواتهم بما تيسَّر.
بهذه الكيفيات، لا يختار الناخب برنامجاً وإنما يختار شخصاً (حتى مسألة الاختيار ليست دقيقة لأن "خياره" يكون مقرراً سلفاً: ابن العشيرة أو البلد أو الحارة –أو لا أحد). أما المؤهل للاقتراع، لكنه ليس له "شخص" من هذا القَبيل، فسيكون بلا حافز أساسي للظهور عند صناديق الاقتراع، باعتبار أن الموضوع كله لا يخصُّه. وباحتساب ما حققته البرلمانات السابقة للمواطن، ومدى اتصالها به أو انفصالها -بغض النظر عن قوانين الانتخاب التي أفرزتها- فإن الواقع لا يشجع.
نخَب الشيء في المعجم: أخذ أحسَنه وأفضله. لكن موضوع المفاضلة في الانتخابات الوطنية ليس مثل شراء الخضار في السوق. وأفضل الأوضاع في الانتخابات هي أن تكون البدائل جيدة بمنطق برامجها وآفاقها بحيث يتم اختيار الأجود من الجيد. وفي بعض الأحيان، كما قيل مثلاً عن الانتخابات الإيرانية، يكون الاختيار بين أفضل السيئ. ولكن، حتى في بلد مثل إيران، فإن مراكز القوى وتأثيراتها المتوقعة في القرار الوطني تكون واضحة لكل ناخب، بحيث يختار على أساس.
الانتخابات ممارسة ديمقراطية، لكنها ليست الديمقراطية. وإذا كان أبسط تعريفات الديمقراطية هي أنها حُكم الشعب للشعب، فإن أي انتخابات لا تعكس شيئاً من هذا التعريف لن تعدو كونها مظهراً تجميلياً. وإذا كانت معادلة القوى في التكوين السياسي تجور كثيراً على حصة "ممثلي الشعب" في اتخاذ القرار، فإن أي برلمان سيكون ضحية –والمواطن ضحية مرتين.
البرامج الوطنية المحسوبة التي ترغب في المنافسة والإقناع، تطرحها في العادة أحزاب ذات دوائر انتخابية كبيرة. وإذا نجح حاملو البرنامج المخصوص، فإنهم يستمدون القدرة على تطبيق البرنامج من دعم ناخبيهم. لكن تكوين الأحزاب العاملة المتصلة حقاً بقواعد، يستلزم ثقافة شعبية تثق في الأحزاب وتؤمن بجديتها –حتى من دون عضوية مباشرة في حزب معين. لكن صناعة أحزاب عاملة هي مهمة شبه مستحيلة في مناخ اعتبر العمل الحزبي -على مدى عقود- خروجاً عن القانون، واعتبر الحزبيين مخربين وفوضويين ودعاة إلى الانحلال. وتزيد الصعوبة إذا احتفظت الشخصيات النافذة أو مراكز قوى بهذه النظرة للأحزاب في قلبها، ولم تملك إرادة تغيير الصورة. وسوف تعطي أي انتخابات في هكذا مناخ ميزة للقوى التي كانت تعمل بحرية ولها وسائل إعلامها، بحيث تنتج الانتخابات الحرة طيفاً واحداً معروفاً يلغي الآخرين.
سوف تصبح الانتخابات عُرساً وطنياً حقيقياً ومظهراً لديمقراطية حقيقية، حين يظهر الناس عند الصناديق أحراراً، مصحوبين بمشاعر مسؤولية حقيقية، وباعتبار أن ظهورهم يُفرق حقاً في تحديد مستقبل الوطن والأبناء. وحتى ذلك الحين، فإن الطريق إلى "الانتخابات" ما يزال طويلاً جداً.

التعليق