د.باسم الطويسي

تغيب عنها الشمس

تم نشره في الأحد 26 حزيران / يونيو 2016. 12:06 صباحاً

 يردد الأوروبيون نكتة سياسية قديمة يبدو اليوم الوقت المناسب للتذكير بها؛ تقول النكتة: (لماذا أُطلق على بريطانيا العظمى في عز ازدهارها وتمددها الاستعماري لقب الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، الإجابة أن الله يخشى مما سيفعله الانجليز لو غابت الشمس وحل الليل والظلام)؛ فلقد سيطرت الجزر القابعة على أطراف  شمال غرب القارة القديمة على ربع سكان العالم حتى مطلع القرن العشرين وربع مساحة الكرة الأرضية وأكثر من ثلث اقتصاد العالم، ومنذ الحرب العالمية الأولى بدأت الشمس تغرب عن الإمبراطورية، يوم الجمعة الماضية صوّت البريطانيون بـ (لا) كبيرة للاتحاد الأوروبي، ما وصفه كتّاب إنجليز بأنه بمثابة وداع للمملكة المتحدة.
استقبل العالم نتائج الاستفتاء البريطاني بكثير من الأسف مع احترام واضح لهذا الخيار الديمقراطي، الأسف العالمي يتأتى من الخوف على تجربة الاتحاد الأوروبي بما شكّلته من قصة نجاح تاريخي سياسيا واقتصاديا، ولما في سجل هذه التجربة من مناصرة لقضايا حقوق الإنسان والديمقراطية في طول العالم وعرضه، وما أنجزته من عقلانية سياسية جديدة في إدارة العلاقات الدولية، كما هو الحال في الخوف من أن تنتقل العدوى الإنجليزية إلى دول أوروبية أخرى تتنامى فيها الحركات اليمينية وعودة الوطنيات التقليدية.
في حسابات الخسائر والأرباح البريطانية هناك ما يشبه إجماع عالمي وصف نتائج الاستفتاء بأنه انتحار جماعي، وأنه قرار "يضرب العصب الفقاري للمملكة"، ووصف أيضا بأنه قرار غير عقلاني وستكون خسائر المملكة المتحدة أكثر من أرباحها، فيما يزيد من نوايا الانفصال لدى الايرلنديين والاسكتلنديين، أما التداعيات الاقتصادية فقد كانت الآثار مباشرة أولها كان فوريا بتراجع صرف الجنيه الاسترليني الذي وصل إلى أدنى مستوى له منذ 30 سنة، وفقدان عشرات آلاف الإنجليز وظائفهم، وفقدان لندن لجاذبيتها الاستثمارية ولمركزها الائتماني المعروف. أما المؤيدون لخروج بريطانيا فإلى جانب مبررات النزعة الوطنية البريطانية تقف قضايا الهجرة واللاجئين والإرهاب في المقدمة، كذلك يرى المؤيدون أن الخروج من الاتحاد الأوروبي سوف يمنح بريطانيا التخلص من قيود الاتحاد الأوروبي الاقتصادية والسياسية ويعيد لبريطانيا حريتها في ممارسة دور يليق بخامس قوة اقتصادية في العالم.
ما يعنينا عربيا في قرار الانفصال، يتمحور حول ما يرتبط بموضوع الهجرة واللاجئين والإرهاب والموقف من القضية الفلسطينية، وللأسف ظهرت بعض المواقف والكتابات العربية التي ادعت بأن المستفيد الأول من هذا التطور هم العرب وهذه قراءة سطحية ولا تتسم بالعمق.
  القضايا التي تقف خلف قرار الرحيل عن الاتحاد تتطلب الحاجة إلى النظر بعمق للتحولات التي تشهدها المجتمعات الأوروبية نحو اليمين والتطرف وتحديدا في مواجهة التحولات التي يشهدها العالمان العربي والإسلامي، وعلينا أن نتنبه إلى أن أول المباركين للانفصال هو المرشح الرئاسي الأميركي المحتمل دونالد ترامب الذي وصف قرار البريطانيين بأنه" قرار عظيم"، علينا ان نتصور العالم بعد عام من اليوم يحكمه متطرفون وتنهار مؤسساته الأكثر عقلانية واحتراما لحقوق الانسان، وكل ذلك تجسده ردود فعل في مواجهة ظاهرة التطرف المنسوب للإسلام، وما يتدحرج عنها من إرهاب ويمينية أخرى، في العمق كيف تخدم كل هذه التحولات اسرائيل وتعجّل من تصفية القضية الفلسطينية، ولقد لاحظنا ردود الفعل الاسرائيلية المباشرة التي ربطت هذا التطور بالضغوط التي يمارسها الاتحاد الأوروبي في مجال المقاطعة لبضائع المستوطنات.

التعليق