أوروبا: فيدرالية وانفصالات ونظام دولي مختلف ؟

تم نشره في الثلاثاء 28 حزيران / يونيو 2016. 12:06 صباحاً

تنصبّ الغالبية العظمى من التحليلات، تعقيباً على قرار البريطانيين الخميس الماضي الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، على ما إذا كان الانفصال سيتم فعلا، أم أنّ التراجع ممكن؛ مع توقف خاص عند أثر ذلك على وحدة بريطانيا، واقتصادها، وإمكانية انفصال اسكتلندا عن المملكة المتحدة. والواقع أنّ هناك بعدا ثالثا مهما في بحث سيناريوهات المستقبل، وهو احتمالية تسارع تسهيل وحدة داخل أوروبا أقوى تصل تخوم الفيدرالية، لكن بعدد أعضاء أقل.
يلاحظ من يراقب الأخبار في اليومين الماضيين، أن هناك نوعا من الصمت تقريباً في معسكر المؤيدين للانسحاب، أو أن أخبارهم لا تحظى باهتمام كبير، مقابل أخبار معسكر المؤيدين للبقاء في "الاتحاد". فمن جهة، هناك بوادر أو محاولة انقلاب في حزب العمال، بانسحاب عدد كبير نسبيا من قادة الحزب من مواقعهم في الحزب (حكومة الظل)، كنوع من سحب الثقة من رئيس الحزب جيرمي كوربين الذي يرفض مغادرة موقعه ويرفض الاعتراف بتقصيره في حملة البقاء في "الاتحاد". وتطور الموقف في اسكتلندا؛ فلم يعد الأمر يقتصر على تلويح باستفتاء للانسحاب من بريطانيا وحسب، بل امتد إلى دراسة ما إذا كان البرلمان الاسكتلندي يملك صلاحية وقف الانسحاب من "الاتحاد"، بحكم وجود قوانين تقول إنّ الهيئات الاسكتلندية تعمل بالتوافق مع القوانين الأوروبية. هذا طبعا بالإضافة إلى محاولة إيجاد طريقة لإعادة الاستفتاء على الانسحاب. 
من "يتخيلون" سيناريو البقاء، يتوقعون إعادة تفاوض مع الاتحاد الأوروبي للبقاء ضمن اتفاقية جديدة، لا تتضمن تغييرا كبيرا في وضع بريطانيا الحالي في "الاتحاد"، لكن تحفظ ماء وجه الداعين للانسحاب. والحقيقة أنّ مواقف الأوروبيين الآخرين حتى الآن لا تبدو مرحبة بالتفاوض، بل معارضة له.
إذا مضى سيناريو الانفصال لنهايته، سيعني هذا أن أهم دولة كانت ترفض الانضمام للعملة الموحدة (اليورو)، وترفض اتفاقية الحدود المفتوحة (تشينغين)، ستكون قد خرجت من "الاتحاد"، ما يعني بدوره أنّ الدول الباقية ستكون أقرب إلى تطوير الاتحاد قريباً من وحدة فعلية، أي أقرب لفكرة "الولايات المتحدة الأوروبية". وهو اسم كان في خاطر القادة الأوروبيين منذ الخمسينيات، ومن هؤلاء القادة الرئيس الفرنسي تشارل ديغول (1959-1969)، وكانت بريطانيا من المعارضين لهذا الطموح.
بطبيعة الحال، عندما كان الفرنسيون في الخمسينيات يفكرون بالاتحاد الأوروبي، كان جزء من تفكيرهم منصبا على ألمانيا، واحتوائها، وضمان عدم تسببها مجددا بقلاقل في أوروبا، وكانت فرنسا في موقع المنتصر، والأقوى. لكن الأمر الآن مختلف؛ فألمانيا هي القوة الأولى الكبرى في أوروبا، وسيكون خروج بريطانيا سببا لتعزيز موقعها النسبي في "الاتحاد"، ولا تبدو فرنسا معارضة لذلك، ولكن قد يغضب هذا دولا أخرى، منها اليونان مثلا، التي تشعر بحدة ألمانية في التعامل مع ملف أزمتها المالية.
سيناريو وحدة أوروبية أقوى من حيث التفاهمات والقوانين والانفتاح بين الدول الأعضاء، ولكن أصغر من حيث عدد الدول، يثير بحد ذاته معضلة، هي: هل يمكن أصلا تسمية مثل هذه الوحدة باسم مثل "الولايات المتحدة الأوروبية"، أو أي اسم أوروبي جامع آخر؟
ومعضلة التسمية ليست سوى مدخل يعكس سؤالا أكثر عمقاً، هو: هل سيصبح هناك محور أوروبي (داخل أوروبا) أكثر توحدا في سياساته الخارجية، وفي سياساته عموماً، ومصالحه الاقتصادية، ما يؤدي بالتالي إلى فرز دولي جديد للقوى، أي ربما "نظام دولي جديد"، أو تغير ما في النظام الدولي؟
ليس بالضرورة القفز لما يعشقه كثير من المراقبين، من العودة لفكر الحرب الباردة والأقطاب، وتوقع قطب أوروبي جديد، فهذا ليس بالضرورة ما قد يحدث، لأسباب أنّ هذا ليس بالضرورة ضمن أجندة القوى الأوروبية، صاحبة العلاقة الوطيدة والمصالح مع واشنطن وغيرها من القوى. لكن، وعلى سبيل المثال، قد تتجذر فكرة أهمية تفوق الأنظمة الإقليمية الفرعية القوية، على حساب نظام دولي جامع، فتبقى الولايات المتحدة قوة عظمى شبه منفردة، لكن من دون أن يكون النظام الدولي أحادي الأقطاب؛ بمعنى أنّ قوة واشنطن العالمية ستصبح محدودة أكثر أمام أنظمة إقليمية فرعية، لا تسعى بدورها لتشكيل قطب دولي، وسيتراجع مثلا أثر بريطانيا في الدفاع عن وجهة النظر الأميركية داخل الاتحاد الأوروبي.

التعليق