محام لكل متهم

تم نشره في الخميس 30 حزيران / يونيو 2016. 11:08 مـساءً

دفعني إيماني بحق المتهم -أي متهم- في توكيل محام يمثله في المحكمة، أو تعيين المحكمة محامياً له -سواء كانت محكمة مدنية أم عسكرية- يدافع عنه، إلى إجراء بحث بسيط في هذا الموضوع، رداً على دعوات نسمعها من بعض الناس الذين تستفزهم جرائم الإرهاب وغير الإرهاب البشعة، فيطالب هؤلاء بإسقاط هذا الحق بعد اعتراف المتهم بجريمته. وقد وجدت في محاضرة للمحامي وأستاذ القانون الأميركي لُن ل. فولر، وعدد غير قليل من الأبحاث والكتب والمقالات، ما أنا بحاجة إليه.
يرى فولر (بتصرف) أن من حق كل متهم في قضاء حر ومستقل وغير متحيز، أن يمثله محام أو أن تعين المحكمة له واحداً إذا لم يجد من يتوكل عنه أو لم يقدر على تحمل كلفته، لأن المعايير الأخلاقية لمهنة القانون تجعل من الصحيح أو غير المستهجن للمحامي الدفاع عن المتهم حتى وإن كان يعرف أنه مجرم. ولا يعني ذلك أنه لا يستطيع أن يعتذر إذا عينته المحكمة، لأنه لا يريد -مثلاً- أن يرتبط اسمه بالمتهم سواء أكان بريئاً أو مذنباً، أو لا يوافق على سلوك موكله في أثناء المحاكمة مع أن ذلك مؤلم.
وفي تفسير ذلك يقول فولر: إذا امتنع كل محام عن تمثيل المتهم بالاتفاق معه او بالتعيين، فإنه يبدو مذنباً او مداناً فوراً ومن دون محاكمة. وعندئذ لا يختلف الأمر عن إدانات "داعش" وأشكاله بالظن والشبهة. وتاريخ القضاء مليء بأشخاص ظهروا في بداية المحاكمة مجرمين واضحين، ثم تبين في نهايتها أنهم أبرياء. فالاعترافات بالذنب ليست صادقة دائماً، فقد تصدر عن متهم لتبرئة شخص عزيز عليه، أو نتيجة لضغط عقلي شديد يجعله يرغب في إنزال أشد العقوبات في نفسه.
وعليه، فليس للمحامي ولا للرأي العام الحق في إصدار حكم مسبق بالبراءة أو الإدانة قبل المحاكمة.
وهدف القانون ليس مجرد حماية البريء من إمكانية وقوع قرار غير عادل عليه. الهدف النهائي هو المحافظة على نزاهة المجتمع بإجراءات كاملة وعميقة، تجعله يقبل إدانة أحد أفراده المخطئين. ولما كان الأمر كذلك، فلا يجوز الاكتفاء بما يتوصل إليه قضاة التحقيق. إن المهمة الرئيسة للمدعي العام ليست الإدانة، بل التأكد أن العدالة تأخذ مجراها. كما أن إدانة المتهم لا تلغي حقوقه الإنسانية في أي مرحلة من مراحل المحاكمة أو بعدها.
لا يمثل المحامي موكله فقط، بل يمثل المجتمع ككل. إنه في الواقع محام عام (Public Defender) ويمثل مصلحة حيوية للمجتمع. إنه لا يمثل المتهم، كفرد يحب ويكره ويعتقد أو لا يعتقد، وإنما كفرد يقوم بدور في عملية القرار الاجتماعي، ويشارك في العمليات الرئيسة للعدالة.
وإذا تبين أن المتهم مذنب، فإن تمثيل المحامي له في المحكمة يصبح رمزياً، وهو أمر في غاية الأهمية لأنه يدل على إصرار المجتمع على بقاء جميع الإجراءات القانونية نظيفة ومنصفة وخالية من الشك أو التشكيك.
نعم، قد يفقد الإنسان العادي صوابه إزاء مهنة المحاماة والقضاء إذا تم الدفاع عن مجرم واضح أو عن معترف بالجريمة، ولكن الهدف الكلي أو النهائي للمحاماة والقضاء هو العدالة. ويجب أن لا يُقرر ذلك داخل مكتب المحامي بل في فضاء المحكمة العلني.
إن العلنية تجعل القضاة والمحامين والمدعين العامين والشهود يتصرفون بصورة أفضل أمام المجتمع. إن العلنية تجبرهم على ذلك كما أنها حماية للحكومة والنظام العام، لأن السّرية تجعل من الصعوبة بمكان إقناع الجمهور بعدالة المحاكمة.

التعليق