د.أحمد جميل عزم

"الفلتان" و"التنظيم" فلسطينيا

تم نشره في الأربعاء 6 تموز / يوليو 2016. 12:06 صباحاً

التقيت في مناسبة رمضانية العام الماضي، قيادياً بارزاً في حركة "فتح" ضمن مجموعة. وقد تحدث عن كيف أنّه لدى توجهه مدعواً لتناول طعام الإفطار في منطقة كفر عقب، القريبة من القدس، جاءه من يتوعده غاضباً مهدداً إذا لم يغير مكان اصطفاف سيارته، لأنّ البعض يرى هذا المكان محجوزا له، ولا يجوز لأحد استخدامه. وهذه القصة، ساقها هذا القيادي ليشير إلى الفلتان الأمني في مناطق وجيوب يمنع الإسرائيليون الفلسطينيين من ممارسة أي دور أمني فيها، خصوصاً في محيط القدس؛ مثل كفر عقب، والرام، والعيزرية، وغيرها.
العام الماضي أيضاً، استمعت لضابط فلسطيني عالي المستوى على هامش مناسبة عامة، يقول إنّه عند قيام السلطة الفلسطينية، كان هناك وعد وتوقع بأنّ الدولة الفلسطينية ستقوم بعد سنواتٍ قليلة، مع انتهاء مرحلة أوسلو، الانتقالية. وهذا كان بحد ذاته مبررا للعمل، وسببا للدفاع عن أي سياسات وخطط أمنية، وجزءا من تعبئة أفراد الأجهزة الأمنية وتوضيح أهمية دورهم الوطني. ثم أضاف: وقبل دخول السلطة، كنتُ أتحرك ضمن عناصر "التنظيم" (فتح) لفرض النظام في قُرانا ومواقعنا. وعندما كنا نتحرك باسم "التنظيم"، كان الجميع يحترم أو يهاب القرار. ويردف هذا الضابط بالقول: إنّ الغلبة الآن للعائلة؛ فإذا وقع خلاف في مكان، حتى أفراد الأمن سيلجأون لعائلاتهم لتكون سندهم. وهو يشير هنا لطبيعة المجتمع الحالي، بين حالات فلتان أمني، من أسبابه عدم سيطرة الفلسطينيين على الأرض بسبب قيود الاحتلال؛ وكذلك غياب الرؤية الجامعة التي تجعل هناك برنامجا وطنيا واضحا لإنهاء الاحتلال، في ظل تعثر عملية التسوية. كما يشير إلى ترهل التنظيم السياسي والفصائلي، ما يجعل الارتداد لأخذ "الحق" باليد، عبر العائلة والمجموعات المسلحة الخارجة عن القانون، هو الحل للبعض.
ما حدث في نابلس وجنين (يعبد) قبل أيام؛ من قيام مطلوب جنائي بقتل عنصري أمن فلسطينيين في نابلس، وشجار أدى لمقتل مواطنين في يعبد، هي ليست حالات منفردة، بل نموذج لحدثٍ يجري بشكل متكرر. وعلى سبيل المثال، ما يحدث في نابلس منذ حين، وجزء مما يحدث في سواها، أنّ مسلحين يرون أنّ لهم حقوقا في الوظائف والتعيينات، أو في حمل السلاح، والاستقواء به، ويتحدّون أجهزة الأمن الفلسطينية (وليس قوات الاحتلال) لقضايا مطلبية خاصة.
في حالة قصة كفر عقب، السالفة الذكر، التي تحدث يومياً مرات عديدة، يضاف لها تحول جيوب القدس وغيرها من المناطق المحرمة على "السلطة" المهملة عمداً من الإسرائيليين، إلى أماكن للنشاطات المنظمة الخارجة عن القانون، فضلا عما يحدث في نابلس، وحالات الشجارات المسلحة بالأسلحة النارية التي تحدث هنا وهناك، فإنّ هناك شيئا مشتركا، أو بالأحرى هناك أمران مشتركان. الأول، هو غياب البرنامج الوطني الجامع المصمم ليحظى ليس بالتأييد الشعبي وحسب، بل وبكون القوى الشعبية وخصوصاً الشباب جزءا من تنفيذه والدفاع عنه. ويخلق هذا الغياب حالات شباب إما يبحث عن دوره الوطني بشكل منفرد عبر عمليات فردية ونشاطات متناثرة، أو ينعزل عن محيطه، أو يدخل دائرة الفلتان الأمني ومحاولة تحقيق مكاسب فردية بالقوة. كما يضعف غياب هذا المشروع من قدرة أجهزة الأمن على تقديم رواية مقنعة. ومن شبه المؤكد، مثلا، أنّه عند محاولة تقليص حمل السلاح بين أيدي "غير المقاومين"، سيقال إنّ هذه حملات ضد المقاومة.
الغائب الكبير الآخر، هو جهد التنظيمات واللجان الشعبية (الفصيل أو الفصائل) في حفظ الأمن، وفي فرض النظام. وهذا الغياب ناتج عدا عن تحويل التنظيم لأداة للسلطة، إلى حالة الارتباك الناتجة عن قرار أو "فخ" إقامة سلطة/ دولة تحت الاحتلال. فأحد إفرازات حالة السلطة تحت الاحتلال أنّ "الأجهزة" تخشى فقدان السيطرة إذا أخذ "التنظيم" دوره السابق قبل السلطة، مع أنّه في ظل غياب ومنع الأجهزة من العمل في كثير من المناطق، وتقليص نشاطها، يبدو لا حل سوى التنظيمات الشعبية المعبأة سياسياً ضمن برنامج وطني واضح.
هناك معضلة هيكلية تتعلق بطبيعة المرحلة السياسية، ومتطلبات حالة السلطة تحت الاحتلال، وكيفية مواجهتها التي تحتاج لفكر وآليات عمل غير معهودة، حتى يمكن تفادي حالات الاقتتال الداخلي والفلتان.

التعليق