علاء الدين أبو زينة

رمضان الذي كان..!

تم نشره في السبت 9 تموز / يوليو 2016. 11:06 مـساءً

مثل كل شيء آخر تقريباً، تغيَّر رمضان كثيراً في العقود الأخيرة. وقد شهد التحوُّل انتقالاً ملفتاً في السلوك الاجتماعي من البساطة والتلقائية إلى التظاهُر والاستهلاك. لكن الأهم كان الانقلاب على المعنى الأساسي للصيام وتحويل الشهر من مناسبة لسياسة النفس ورياضتها إلى مناسبة للتوتر والقلق وعرض أسوأ الممارسات على الإطلاق.
سوف يزوّدنا مسح صغير لعناوين الأخبار خلال رمضان الأخير بمؤشر واضح. مثلاً: "3 قتلى بـ 76 مشاجرة في 7 أيام رمضانية"؛ "50 ألف مراجع "للبشير" في رمضان والمشاجرات والتلبك المعوي يتسيدان المشهد"؛ "رمضان في الأردن.. مشاجرات ورصاص!"؛ "في رمضان وقبيل الإفطار: تزداد الحوادث وإصاباتها"؛ "جرائم ومشاجرات دموية هزت الأردن منذ بداية رمضان". وفي غير الأردن أيضاً: "10 حالات وفاة في مشاجرات ببورسعيد خلال رمضان".
غريب أن تكون كلمة "مشاجرات" هي العنوان الأبرز للحياة في رمضان! وقد بلغ الأمر على صعيد الأسرة أيضاً حد اقتراح فتاوى بعدم جواز الطلاق في رمضان، لأن إجازة هذه الواقعة بسبب الصيام كفيلة بتخريب الكثير من البيوت. كما شهد الشهر أيضاً حدّة غير مسبوقة في الاستقطاب والخطاب الاجتماعي العدائي وتكفير الناس بسهولة شُرب الماء، بالإضافة إلى الطفرة في عدد ضحايا العصبية والعدوانية، ونزلاء المشافي الذين كتمت تخمة الطعام على أنفاسهم أو ضربت توازنهم الحيوي.
وفوق ذلك، ارتفعت بشكل ملحوظ وتيرة العمليات والتفجيرات الإرهابية التي حصدت مئات الأرواح في الأردن وتركيا والعراق والسعودية وأثيوبيا وماليزيا وبنغلادش وأماكن أخرى. ومن كبير المفارقات أن يستغل المشتغلون بالإرهاب العواطف الدينية في هذا الشهر لإقامة صلة غريبة بين الصيام وبين التفجير الانتحاري، باعتبار أن القتل الجماعي في رمضان يكون مضاعَف الأجر مع الصيام في رمضان.
كما نذكر، كان الشعار الهادي للسلوك الاجتماعي في رمضان هو الحديث الشريف: "... فإذا سابَّهُ أحد أو خاصمه، فليقُل إني صائم". والمقصود الذي يعرفه الجميع من ذلك هو أن تعمِّق ممارسة الصيام ضبط النفس والتسامح وكبح نوازع الشر والعدوانية. لكنَّ الأمور انقلبت تماماً، فأصبح الناس يستخدمون الصيام نفسه ذريعة لسبّ الآخرين ومخاصمتهم والاعتداء عليهم على أساس: "إني صائم". ولا يخفى حجم المفارقة في أن يكون بعض الصائمين بالتحديد هم العصبيون والمتسببون في حوادث السير والذين يطلّقون زوجاتهم ويوتّرون بيوتهم ويزاحمون مواطنيهم في طوابير الخبز ويؤذون مواطنيهم بالكلام والعمل، أو يسرفون في الاستهلاك ويجورون على أجهزتهم الحيوية –بل وأن ينفذ البعض الهجمات الوحشية كطريقة لإتمام العبادة؟!
لا يلغي ذلك بالطبع بقايا المظاهر الإيجابية لرمضان في مجتمعنا، مثل بعض التكافل الاجتماعي وإغاثة المحتاج –إذا غاب عنها عنصر الاستعراض والدعاية. لكن الإيجابيات في رمضان هي أمر مفروغ منه، لأنها المعنى الطبيعي للصيام وغايته الأولى، في حين أن النقيض غير الطبيعي هو الملفِت. ومع عدم إغفال العوامل الخارجة عن إرادة الفرد، والتي تدفعه إلى التعبير عن نفسه بعصبية، خاصة إذا جاع وعطش، فإنَّه لا يمكن أيضاً إلغاء الجزء الشخصي من الإرادة والضابط الأخلاقي. وفي النهاية، لا شيء يبرر تفريغ الاحتقانات في الجيران والزملاء والعائلة والمواطنين والوطن، خاصة حين يزعُم البعض أن عدوانيتهم الزائدة هي أمر حتمي لممارسة الصيام.
من السيئ بما يكفي أن يضطر المرء في رمضان بالتحديد إلى اختصار استخدام الطريق أو ارتياد الأسواق خشية التعرض للحوادث والمشاجرات والتفجيرات، وأن يرتعب من فكرة مغادرة البيت قبيل الإفطار حتى لا يغتاله متهور مسرع إلى مأدبة. ومن المفزع أن يجعلوا رمضان مناسبة للاستقطاب وعدوانية الخطاب ونقد الآخر بقصد الإقصاء، وكأن صوم الفرد يعطيه رخصة للوصاية وامتلاك الحق في محاسبة الناس وتخطيئهم، بل والتشاجر معهم والاعتداء عليهم، بذريعة الصيام نفسه.
لا تعميم، بطبيعة الحال. لكن وصول منسوب التوتر والخصام وسوء السلوك والضحايا إلى ظاهرة تحتل عناوين الأخبار في رمضان الأخير هي مؤشر واضح بالغ الخطورة على ضلال الوجهات وتعمُّق المفارقات والتناقضات في الشخصية الفردية والاجتماعية. والآن، بعد أن انقضى الشهر و"هدأت النفوس" –في استكمال للمفارقة العجيبة- هل من مراجعةٍ عقلانية لما جرى، من موقع الشبعان الريان غير المعتذر عن العصبية بالصيام؟

التعليق