"فتح": مراحل الثورة وما بعدها

د.أحمد جميل عزم

يمكن لشخص في جنين، أو الخليل، أو أريحا، أو القدس، أو رام الله، أو عمّان، أو بيروت، أو أي مكان آخر، ممن كان يوماً في الثورة الفلسطينية، ولكنه يقيم الآن "على هامش الحدث"، أن يغضب، لأنّه استُثني من مؤتمر حركة "فتح" الذي اختُتم في رام الله هذا الأسبوع. وأن يتخيل مؤتمراً آخرَ، يحضره عشرات أو مئات ممن يعرفهم، ويعرف تاريخهم النضالي. وقد يتوقع التباين السياسي والفكري الذي قد يبرز ويغني النقاش، بدلا من طغيان التصفيق في قاعة المؤتمر، و"الكولسات" والتحالفات السرية التي حصلت في أروقة رام الله والمؤتمر، ثم يشعر بعد هذا بالاغتراب والاستياء والضيق والإهمال.
إلى ذلك، فإنّ جيل الجامعات والشباب حتى نهاية العشرينيات تقريباً، قد يشعر أنّه غير معني بما حصل، وغير مدعو ليكون معنياً بما يجري، وعليه الانتظار سنوات من دون أن يكون لديه الكثير ليفعله حتى ذلك الوقت، وليس لديه دافع لينتظر.
وفي الحالتين، لا بد للشريحتين، وهناك شرائح مثلهما ترتبط بفصائل مختلفة وليس "فتح" فقط، أن تتذكر أن الانتظار والتخيل لا يجديان.
رغم أن حركات التحرر الشعبية ضد الاحتلال الأجنبي ليست جديدة تماماً في التاريخ، مثل ثورة وليام والاس الأسكتلندي ضد الإنجليز في القرن الثالث عشر، إلا أنّ القرن العشرين هو الذي شهد الشكل المتبلور الواضح لحركات التحرر الراهنة. وغالبية حركات التحرر انتصرت وخرج الاستعمار، وتحول الثوّار إلى حُكّام.
هناك ثغرة كبيرة في العلوم الإنسانية والسياسية تتعلق بعلم "ما بعد الصراع". إذ اكتشف الأميركيون أنهم يعرفون تحطيم خصومهم، كما فعلوا في أفغانستان، والعراق، ولا يعرفون كيف يبنون المرحلة التالية. لذا فإن انتصاراتهم تتبخر وتتحول هزائم ونكسات. وممن وثّق هذه الحالة، فرانسيس فوكوياما، في كتابه "أميركا على تقاطع طرق" الصادر العام 2006.
واكتشف الشيوعيون أنهم لا يعرفون كيف يبنون أنفسهم بعد أن يقضوا على الأنظمة السابقة، فانتشرت الثورات ضد الثوّار، كما حصل في بودابست (1956) وبراغ (1968). ولعل ممن وثق عدم قدرة الثوار على الثورة على غرائزهم وعلى كوامن أنفسهم، رواية الاشتراكي والمقاتل اليساري السابق، جورج أوريل الشهيرة، "مزرعة الحيوان".
عندما تنتهي مهمة دراسة الثورات، وسيروراتها (أي كيف تتطور وتنتقل من مرحلة لأخرى)، وماذا يحدث بعد انتصاراتها أو تكونها، قد ينشأ لدينا بعض القواعد التي تساعدنا على التنبؤ. وإحدى القواعد، مثلا، التي قد نصل إليها، أنّ قادة الثوريين عادة يختارون (إذا تمكنوا) أشخاصا أقل ثورية، وأقل راديكالية، والأقرب للاعتدال، والبراغماتية، و"العقلانية" ليكونوا مساعدين لهم، وبالتالي يكونون خلفاء لهم، من مثل محمد أنور السادات، الذي خلف عبدالناصر.
ولكن أيضاً سنكتشف ظاهرة مهمة جداً، هي كيف تتحول الثورة إلى مؤسسة وحزب وبيروقراطية، وتنفضّ الجماهير، من داخل الثورة، وتقف حول التنظيم الذي خلف الثورة، وإن بقي لدى هذه الجماهير حنين، وأمل أن تخيب ظنونهم، وأن تكون هناك فرصة للثورة، وأن تحتضنهم الثورة ثانيةً.
هذه المشكلات وغيرها موجودة في الحالة الفلسطينية (وتحتاج توصيفا وتشخيصا). لكن المشكلة الأكبر أنّ أسباب الثورة (الاحتلال والتشرد) ما تزال قائمة، وأنّ أمراض ما بعد الثورة تحدث من دون وصول الثورة لأهدافها.
هناك معضلة فلسطينية بدأ الحديث عنها منذ مرحلة بيروت، في السبعينيات والثمانينيات، على الأقل، هي المزج بين الثورة والبيروقراطية. وهذه المشكلة تعمقت بشكل هائل، بوضع الثورة أوزارها لصالح الحركة السياسية الرسمية الفوقية، على شكل حكومات دبلوماسية تقليدية، من حيث ممارساتها وأدواتها، من دون صلاحيات أو مقومات تمتلكها الحكومات التقليدية، من مثل السيادة والقدرات المستقلة، ومن دون معرفة بكيفية استثمار المستوى الشعبي في حركة تحرر، أو حتى حركة استقلال.
والسؤال الآن موجه بدرجة ما إلى من فازوا في مؤتمر حركة "فتح": كيف يمكن أن يجترحوا معادلة لتعبئة الطاقات الشعبية بكل مستوياتها (وهو هدف شدد عليه الرئيس محمود عباس) ولكن السؤال موجه بطريقة أكبر وأهم للغائبين، والمغيبين عن الفعل السياسي والشعبي، من كل الأعمار؛ كيف سيعبئون طاقاتهم وصفوفهم من دون انتظار أحد؟
لا بد من أن يتعايش الغاضبون والشاعرون بالمرارة، مع احتمال أنّ "الحركة" لن تعود حاضنة لهم، وأن الفعل النضالي الذي انطلقوا له بحاجة لفكر وآليات جديدة، يمكن أن يفكروا بها أو يساعدوا على إطلاقها، وأن يسرح الخيال والتخطيط بشأن ما يجب فعله، لا فيما كانوا يتمنون حصوله.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018