مبادرات بلا أرواح!

د. جاسم الشمري

يبدو قدر العراق اليوم أن يكون ساحة للمناحرات العسكرية والفكرية والسياسية والاجتماعية؛ لهذا صرنا ننام ونصحو على مبادرة لحل المعضلة العراقية من هذا الطرف أو ذاك، وكأننا أمام مهرجان للمبادرات. وتاريخياً، أُطلقت عشرات المبادرات من أركان العملية السياسية. ومحاولة إحصائها بحاجة إلى عشرات المقالات، لكن نجتهد لحصر أهمها.
أولى أهم المبادرات، مبادرة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي الذي أعلن في منتصف 2006 عن مبادرة الحوار الوطني "المدعومة أميركياً"، وتضمنت أربعة وعشرين بنداً، منها "جدولة انسحاب القوات الأجنبية، وإصدار عفو عن المعتقلين غير المتورطين بالإرهاب، وتشكيل اللجان اللازمة لإطلاق سراح الأبرياء بالسرعة الممكنة، ومنع انتهاكات حقوق الإنسان ومعاقبة المسؤولين عنها" وغيرها. وحينما انتهت سنوات المالكي كان العراق عبارة عن رقعة ممزقة، مقسماً أمنياً وسياسياً وربما حتى اجتماعياً.
في أيار (مايو) 2016، أطلق رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي مبادرته التي تضمنت "تشكيل حكومة إنقاذ وطني لا تزيد مدتها عن سنة ونصف السنة، وتعبئة الشعب ضد التطرف، وحل المفوضية المستقلة للانتخابات الحالية"، وغير ذلك. ومن يومها غابت المبادرة في دهاليز الخلافات.
وفي نيسان (أبريل) الماضي، أطلق عمار الحكيم؛ زعيم التحالف الوطني، مبادرة إنقاذ أخرى تضمنت في مسارها الأول "التعامل مع الوضع الراهن بواقعية، وترتيب الأولويات والاستمرار بتشكيل حكومة التكنوقراط وتمثيل المكونات الأساسية المشاركة في الحكومة". ومن يومها والمبادرة تدور في دوامة الروتين والتسويف والمماطلة.
ويوم الاثنين الماضي، أطلق مقتدى الصدر مبادرة خاصة لعراق ما بعد الموصل. تطرق فيها إلى الوضع الإنساني في مناطق القتال، وضرورة التحقيق في أسباب سقوط الموصل بيد "داعش" في حزيران (يونيو) 2014، في إشارة واضحة إلى غريم التيار الصدري نوري المالكي، وبما يؤكد الخلافات العميقة بين الطرفين.
وأكدت مبادرة الصدر على واحدة من أهم إشكاليات الخراب، والمتعلقة بوفرة السلاح خارج إطار القانون، فطالب الصدر "بجمع السلاح وتسليمه للدولة".
مبادرة الصدر لم تتضمن أي إدانة لجرائم "الحشد الشعبي" التي أكدتها بعض المنظمات الدولية والإقليمية والمحلية، بل على خلاف ذلك تماماً دعت إلى"الحفاظ على هيبة الجهاد والمقاومة، والسعي الحثيث لدمج العناصر المنضبطة في الحشد الشعبي مع القوات الأمنية". وهذه إشادة كبيرة بالحشد المتهم بجرائم كبيرة في المناطق التي شهدت قتالاً مع "داعش" وفقاً لشهادات منظمات محايدة محلية ودولية، وكذلك تغطية على الجرائم التي ارتكبها بعض عناصر الحشد، وكان ينبغي -على الأقل- الإشارة إلى تقديم المتهمين منهم لمحاكم عادلة.
المبادرة لم تتطرق بتاتاً لإيران، وإنما طالبت بإنهاء التواجد التركي، وربما وضعت إيران ضمن فقرة التواجد الأجنبي. وهذا فيه إجحاف، بسبب الدور التخريبي الكبير الذي تلعبه إيران منذ سنوات في الشارع العراقي والمشهد السياسي على حد سواء.
وكغيرها من المبادرات، طالب الصدريون بفتح حوار شامل للمصالحة الوطنية، على ألا يكون الحوار محدداً بالطبقة السياسية، بل يكون حواراً للمصالحة الشعبية والوطنية يشمل جميع الأديان والتوجهات، ويستثنى منها "حزب البعث".
الملاحظة العامة أن أغلبية هذه المبادرات تضمنت فقرة استثناء "حزب البعث" منها، وهذه من المآخذ الكبيرة، لأنهم إذ يتهمون حزب البعث بأي جريمة فإن الفريق المعارض للحكومة اليوم يمتلك أيضاً عشرات الملفات التي تؤكد تورط أغلبية الأطراف الحاكمة في عراق ما بعد 2003 بجرائم ربما ترتقي إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية. وعليه ينبغي أن تُترك هذه القضية الحساسة للقضاء الحر النزيه، وهو الذي يحكم في هذه الاتهامات المتبادلة.
جميع هذه المبادرات افتقرت لقواعد أساسية مهمة جداً للمّ الشمل العراقي وهي القلب النقي، والفكر الصافي، والروح المليئة بالصراحة والمرونة البعيدة عن الأحكام القطعية المسبقة.
المعضلة العراقية ليست بحاجة إلى مزايدات فكرية في سوق المبادرات، وإنما يعوزها إنصاف حكومي لشركاء الوطن، وحينها يمكن أن نتفق على أي مبادرة تُخرج البلاد من هذا النفق الذي نرى بدايته، ولا ندري متى وأين وكيف ستكون نهايته؟

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018