محمية طبيعية

إبراهيم غرايبة

يركض الأسد ويزأر في المحمية الطبيعية، متظاهرا بالاعتقاد أنه في غابة حقيقية. وأدرك النمر؛ لا بد أنه أدرك، أن افتراسه الغزال الذي مرّ قريبا منه، لم يكن إلا مسرحية مدبرة، فلم يحدث معه من قبل مثل ذلك في الغابة. وفي اليوم الرابع لوجوده في المحمية، أدرك النمر أن الكاميرا تسجل كيف يفترس الغزال، فأظهر مزيدا من البراعة تفوق كثيراً ما كان يؤديه في الغابة... هذا ما يجعل البرامج الوثائقية في المحميات والحدائق المفتوحة أجمل منها في الغابات!
والبشر الذين يعيشون في المحمية من السكان الأصليين، يصيدون هناك ويجمعون الثمار ويرقصون ويغنون، على نحو تبدو حياتهم كما كانت على مدى القرون. كلما جاءت مجموعة من السياح، يهرع الآدميون في المحمية يحملون رماحهم يطاردون الغزلان والحمر الوحشية، أو يشعلون النيران ويرقصون. لا تخطئ النظرة البدهية الافتعال والمسرحية في قصص حياة الناس والحيوانات في الغابة المحمية، وهذا يزعج إدارة المحمية ويهدد تجارة البرامج الوثائقية وسياحة البيئة والمغامرات. لكن ما يزعجهم أكثر هو ملاحظات جيمس؛ المتبرع الكريم والثري، المتحمس لحماية البيئة والحياة الطبيعية. وانتقاداته للمحمية أنها تعمل ضد أهدافها، وتهدر التبرعات في إفساد البيئة وحياة الناس والكائنات الحية فيها. ثم إنه قرر أن يزيد من فترات إقامته في المحمية ويتدخل في كثير من سياساتها، ويدير بنفسه برامج وأعمالا يعتقد أنها الفكرة الأصلية للمحمية؛ مدرسة للناس في المحمية، وتسجيل خبراتهم وتجاربهم البيئية كما هي، وإنشاء وتنظيم حرف وأعمال وأسواق وموارد وحياة طبيعية وحقيقية للناس والكائنات الحية.
شاتل؛ الفتى الذي تعلم القراءة والكتابة واللغات الأوروبية وصار مرشدا سياحيا في المحمية، أخبر السياح كيف تجري الأمور هناك. لكن السكان الذين أعجبهم كثيرا أسلوب الحياة والعمل الجديد في المحمية؛ قليل من العمل وكثير من اللهو والكحول، لم يعجبهم شاتل ولا جيمس، وفضلوا عليه الإدارة، قالوا إنه مسحور ونقل اللعنة إلى ابنهم شاتل.
قررت الإدارة أن تعلم شباب وصبايا المحمية التصوير عندما يكونون في حالة حقيقية من العمل والرقص والغناء والصيد. تعلم السكان أكثر عمّ يعجب جيمس والسياح، وصاروا يطبقونه بذكاء واحتراف. كان تسجيل تلك اللحظات موردا كبيرا للإدارة، ومصدر سعادة ورضا جيمس.
في يوم كان جيمس مسافرا بعيدا عن المحمية، وكان  شاتل يسير وحده فيها (التقرير الجنائي يقول ذلك) فالتهمه أسد. قالت الإدارة، معززة إفادتها بتسجيل الكاميرات، إنه كان يسير في المكان الخطأ وفي الوقت الخطأ؛ إذ يجب على الناس تجنب الظهور في أوقات وأمكنة معلومة تنتشر فيها الحيوانات المفترسة.
قال مجلس الإدارة لجيمس: جميع سكان المحمية سعداء؛ الناس والكائنات الحية، المفترسة منها والطرائد أو العشبية الكبيرة والطيور، وهم يتكاثرون. والسياح والمحطات التلفزيونية ووسائل الإعلام وجمعيات البيئة وحماية الطبيعة سعداء، والتبرعات تزيد. ليس مزعجا في هذه المحمية يا سيدي إلا البوم! فهو سحر شاتل وحبس المطر عن المحمية، وتسبب في نقص الغذاء والخراب والخسائر.
قرر الأهالي، بمشاركة الإدارة، إقامة احتفالات طقوسية لحماية المحمية والناس من لعنة البوم ولجلب المطر. وفي المساء، مضى جيمس متحمسا للاحتفال؛ كان متحمسا للمشاركة في الطقوس أكثر من سكان المحمية أنفسهم. تساءلت ماري ابنة جيمس: لماذا يبدو متحمسا إلى هذا الحدّ؟ قالت لها أمها ليندا: حتى لا يعتبره الناس ملعونا أو جالب اللعنة... كلّ الذين حاولوا أن يغيروا شيئا في المحمية قدمت دماؤهم إلى النار المقدسة لطرد اللعنة! قالت ماري: لكن لماذا هو متحمس كما لو أنه يصدق بالفعل؟! قالت ليندا: هذا ما يحيرني ويريبني!

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018