صيغة ترامب وبصمات نتنياهو

هآرتس

شاؤول اريئيلي

بصمات نتنياهو في "صيغة ترامب" الاخذة في التبلور هذه الايام، غير قابلة للاخفاء. فمن السهل الوقوع في أسر التماثل بين مواقف نتنياهو والاقتراح الأميركي المتوقع – ولكن هذا استسلام تتميز به شمولية اللحظة الراهنة. فليس في مواقف نتنياهو غير تكرار مواقف إسرائيل التي طرحت منذ 1967 بالنسبة لمستقبل الضفة الغربية. ولكن بينما تآكلت معظمها كمواقف افتتاحية وتكيفت مع مجال التوافق المحتمل من اجل الوصول إلى حل وسط تاريخي، اصر نتنياهو في السنوات الاخيرة على مواقفه التي لا تمنع فقط تسوية النزاع، بل وترجع إلى الوراء أيضا في التقدم الذي حققه اسلافه.
وحسب ما يلوح من مصادر مختلفة، فإن "الصفقة المطلقة" لترامب ستتضمن المبادئ التالية: القدس الموحدة عاصمة إسرائيل (في ظل "تنازل" إسرائيلي عن أربعة – خمسة احياء خارج عائق الفصل)، مثلما تعهد نتنياهو في انتخابات 2015 ("نحن سنبقي إلى الابد القدس الموحدة في سيادة إسرائيل"). غور الأردن يبقى تحت سيطرة إسرائيل مثلما أعلن نتنياهو في تشرين الاول 2017 ("غور الأردن سيبقى دوما جزءا من دولة إسرائيل، سنواصل استيطانه"). عدد الكتل الاستيطانية الإسرائيلية سيزداد، مثلما وعد نتنياهو وزراءه في حزيران 2011. في موضوع الامن تم تبني موقف نتنياهو، الذي عرض في خطابه في مؤتمر سبّان في كانون الاول 2015 ("الحل الوحيد للنزاع الإسرائيلي – الفلسطيني هو اقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح"). واللاجئون الفلسطينيون لن يعودوا على الاطلاق إلى إسرائيل، مثلما صرح نتنياهو في خطاب بار ايلان في 2009 ("مشكلة اللاجئين الفلسطينيين يجب أن تحل خارج حدود إسرائيل").
لقد كان أول من سعى بعد حرب الايام الستة لتسوية النزاع مع الفلسطينيين ليس من خلال الدول العربية هو الوزير يغئال الون، الذي اقترح دولة فلسطينية في الضفة الغربية، دون حدود خارجية تسيطر عليها إسرائيل. "أنا آخذ امكانية قصوى. ليس كانتون، ليس اقليم بحكم ذاتي، بل دولة عربية مستقلة متفق عليها بيننا وبينهم في جيب محوط بارض اقليمية إسرائيلية... حتى مستقلة في سياستها الخارجية". القدس الموحدة التي نشأت لتوجها ستبقى عاصمة إسرائيل، غزة تلحق بإسرائيل فورا بعد أن يسكن لاجئوها خارج بلاد إسرائيل، مثلما اعتقد أحد اقتراحات وزير الأمن ديان: "نأخذهم ونسكنهم في شرقي نهر الأردن".
الثاني كان رئيس الوزراء مناحيم بيغين الذي وقع مع الرئيس المصري انور السادات، في كامب ديفيد 1978، على اتفاق الاطار بحكم ذاتي فلسطيني، مبادئه تشبه تماما اتفاق اوسلو الذي وقع في 1993. صحيح أن بيغين ادعى انه في نهاية الفترة الانتقالية للحكم الذاتي الفلسطيني سيطالب بضمه إلى إسرائيل، ولكن في المداولات التي جرت في الحكومة في 18 حزيران 1967، بعد نحو اسبوع من حرب الايام الستة، عارض فكرة الحكم الذاتي بالحجة المنطقة بان "مفهوم الحكم الذاتي يؤدي إلى دولة فلسطينية بالمنطق الحديدي للامور (...) اذا كنا نقول حكما ذاتيا، فهذه دعوة إلى دولة فلسطينية عربية مستقلة. المميز هو كيف يفهم الاغيار هذا".
في خطاب يتسحاق رابين في تشرين الاول 1995 عرضت فكرته عن التسوية الدائمة مع الفلسطينيين، والتي تتوافق معها مبادرة ترامب كالقفاز على اليد: "الحل الدائم نراه في إطار أرض دولة إسرائيل التي تتضمن معظم أراضي بلاد إسرائيل... وإلى جانبها كيان فلسطيني... هو اقل من دولة... حدود دولة إسرائيل، عند الحل الدائم ستكون خلف الخطوط التي كانت قائمة قبل حرب الايام الستة... واولا وقبل كل شيء القدس موحدة، تضم أيضا معاليه ادوميم وجفعات زئيف كعاصمة إسرائيل، حدود الامن تكون في غور الأردن... وكذا تغييرات تتضمن ضم غوش عتسيون، افرات، بيتار ومستوطنات اخرى معظمها توجد شرقي ما كان الخط الأخضر، وكتل الاستيطان".
إلى جانب ذلك يجب أن نتذكر أن رابين حاول في حينه ان يقر في الكنيست الاتفاق الانتقالي بفارق صوت واحد. واهم من ذلك هو حقيقة ان نهج رابين كان تدريجيا، وينبغي الافتراض أنه فهم الاثمان اللازمة لتنفيذ الاتفاق، مثلما كتب (انا افضل تسويات انتقالية، مع فترة اختبار بين المرحلة والمرحلة، على محاولة التقدم دفعة واحدة إلى تسوية شاملة"، وأن "الانتقال إلى السلام الحقيقي هو مسيرة وليس فعلا لمرة واحدة". ولكن اغتياله بعد شهر من ذلك على يد يهودي متزمت، منعه من خوض أي مفاوضات على التسوية الدائمة.
نتنياهو الذي انتخب في 1996 نشر في العام 1995 أن "خطة الحكم الذاتي تحت سيطرة إسرائيل هي البديل الوحيد لمنع هذه المخاطر، الكامنة في خطة "السلام" لاتفاق اوسلو". وقد خاض معركة تراجع وتجميد ناجحة جدا، ضد اتفاقات اوسلو، ودفع لقاء ذلك ثمنا تمثل بنقل الخليل في 1997 ومناطق ج اخرى حسب "مذكرة واي" في 1998، كما شرح في زيارته إلى بيت عائلة ثكلى في اثناء الانتفاضة الثانية. في تلك السنة نجح نتنياهو، في مناورة سياسية رخيصة، في أن يقر في الحكومة "خريطة المصالح الوطنية"، التي لن تتنازل عنها إسرائيل في التسوية الدائمة، والتي امتدت على نحو نصف أراضي الضفة الغربية.
ايهود باراك اقترح في كامب ديفيد 2000 اقتراحا مشابها جدا لما وصفه رابين في خطابه في العام 1995: "مساحة لا تقل عن 11 في المئة (بما في ذلك غور الأردن والحدود الخارجية)، حيث يسكن 80 في المئة من المستوطنين، تضم إلى إسرائيل، اضافة إلى أننا لن ننقل ارضا سيادية إسرائيلية (لن يكون تبادل للأراضي)... على مدى سنين قليلة تسيطر إسرائيل على نحو
ربع غور الأردن، لضمان السيطرة على المعابر بين الأردن وفلسطين". في القدس اكتفى بان يقترح على كلينتون أن "في البلدة القديمة يحصل عرفات على السيادة على الحي الاسلامي وعلى كنيسة القيامة المقدسة... ويمكن أيضا على الحي المسيحي" والقرى الفلسطينية التي ضمت إلى إسرائيل في 1967 دون القدس الشرقية.
غير باراك موقفه، وفي طابا 2001 تحدث بتعابير اخرى، بعد ان تبنى اقتراح كلينتون في كانون الاول 2000. العرض الإسرائيلي تحدث عن ضم 6 في المئة من الضفة الغربية، تقسيم شرقي القدس، تجريد الدولة الفلسطينية وعودة اللاجئين الفلسطينيين اليها.
ايهود اولمرت واصل التغيير، وفي مفاوضات انابوليس اكملها لتصبح مبادئ متفقا عليها مع الفلسطينيين لاتفاق دائم اساسها (خطوط 1967 وتبادل متفق عليه للأراضي، تقسيم شرقي القدس إلى عاصمتين، دولة فلسطينية مجردة وتسوية مسألة اللاجئين من خلال عودتهم إلى دولة فلسطين بالاساس.
في النقطة التي توقفت عندها المفاوضات، في اواخر 2008، اقترح الفلسطينيون تبادل للأراضي بين 1.9 في المئة إلى 4 في المئة يمكن فيها ان يبقوا في بيوتهم وان ينضموا إلى إسرائيل 63 حتى 80 في المئة من الإسرائيليين؛ ضم الاحياء اليهودية في القدس (باستثناء هار حوما)، الحائط الغربي، الحي اليهودي، نصف الحي الارمني وباقي جبل صهيون لإسرائيل؛ دولة مجردة وعودة 80 – 100 الف لاجئ لإسرائيل.
نتنياهو، الذي انتخب مجددا، تراجع إلى الوراء بضربة واحدة. خطاب بار ايلان الكاذب في حزيران 2009، الذي بث الامل في قلوب الكثيرين ممن لم يتكبدوا عناء الدخول في تفاصيله، حظي بالتحليل الافضل من والد رئيس الوزراء، بن تسيون نتنياهو، الذي قال بعد شهر من ذلك: بنيامين لم يؤيد دولة فلسطينية، بل عرض شروطا لها لن يقبلها العرب ابدا. سمعت هذا منه. ولاحقا قال ابنه ان القدس لن تخضع للمفاوضات وخطوط 1967 لن تشكل اساسا لتبادل الأراضي، وفي مقابلة في 2015 صرح أن "في الشروط التي يريدونها في هذه اللحظة، فإن الدولة الفلسطينية ليست واردة".
يبدو أن ترامب اختار تجاهل التقدم الذي تحقق في مسيرة المفاوضات في كامب ديفيد، في طابا وفي انابوليس، مثلما حرص جيسون غرينبلات بالتأكيد على أن يعرضها عليه وعلى جارد كوشنير، ومثلما اجمل مهمة وزير الخارجية المنصرف جون كيري في خطاب مغلق في دبي في السنة الماضية: "نحن ملزمون بالارادة كي نصنع السلام. اولمرت، باراك، رابين وبيرتس أشاروا إلى السبل لعمل ذلك". اما ترامب فيتجاهل ما واصل كيري وقاله: "ليس لإسرائيل زعماء يريدون صنع السلام... معظم أعضاء الطاقم الوزاري للشؤون العسكرية والسياسية الكابينيت في حكومة إسرائيل الحالية، اعلنوا علنا أنهم ابدا لن يكونوا مع دولة فلسطينية"، ويسعى إلى تجنيد حكومة إسرائيل من خلال اقتراح غير مقبول، ثمرة المذهب العدمي للسفير ديفيد فريدمان.
انه لغرض تسوية النزاع الإسرائيلي الفلسطيني مطلوب بلا شك وسطاء، والطرفان معنيان بالحل. اما الاقتراح الأميركي، اذا كان كذلك، فسيكون مثابة "صب زيت على النار" وسيدفع الطرفين إلى التمترس في مواقفهما. الفلسطينيون سيرفضونه رفضا باتا وحكومة إسرائيل ستستغل هذا حتى النهاية "للاثبات" بانه لا يوجد شريك. وبالتالي لا يتبقى للجمهور الإسرائيلي والفلسطيني غير الامل في أن يعرض ترامب اقتراحا نزيها يقوم على اساس المفاوضات، يشبه الاقتراحات السابقة للرؤساء الأميركيين – كارتر، كلينتون وبوش الابن – أو أن يبقي اقتراحاته لنفسه.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018