في التفاح و "ستيف جوبز" السوري

ضحى عبد الخالق

يبدو أنّ أسماء الفواكه ستكون مطلوبة من الآن فصاعدا من قبل شركات الكومبيوتر وشركات البرمجيات والاتصالات. ونحن نعرف شركة “التفّاح" (Apple Computers) و"البرتقال" و"الأسكدنيا" وغيرها من شركات الأشتال والزهور، مثل النعناع والورد. ولا بأس في ذلك؛ فالفواكه ترمز إلى النضارة، وإلى عبقرية التصميم وتعدد الخيارات في عالم التكنولوجيا وتطبيقاتها الجديدة.
وتعتبر شركة “Apple" من أكثر الشركات التي عملت بإبداع في التاريخ المعاصر، وسجّلت لبلدها العديد من المنجزات والفوائد. وباختصار، فقد بلغت إيرادات مبيعات الشركة حوالي 150 مليار دولار! ففي العام 2012 وحده، قامت بدفع حوالي 15 مليار دولار ضرائب دخل على المبيعات للخزينة الأميركية، وهي تقوم بتوظيف أكثر من 72000 عامل في حقول المعرفة. كل ذلك تقوم به شركة وطنيّة وحدها! وبهذا تساهم في عمليّة رفد اقتصاد الدولة من خلال مبيعاتها المهولة، وفائض القيم المُضافة الناجمة عن عمليّات تصدير الأجهزة والتصاميم والبرامج والابتكارات، والتي ألهمها ورعاها مديرها التنفيذي “ستيف جوبز"، إلى حين وفاته بمرض السرطان في العام الماضي عن ست وخمسين سنة.
أتحدّث عن أيقونة عصر التكنولوجيا المعاصر “ستيفُ بنُ عبدالفتاح الجندلي!"، الذي تخلّى عنه أبوه السوري وأمّه الأميركية “جوانا" وهما طالبان في جامعة “ويسكونسن ميلوكي"، للتفرّغ لأعباء الدراسة، فكان أن عرضاه للتبنّي السريع! والناظر إلى بعض الصور من حياة “ستيف" المبكّرة، وفيها يظهر بشعر أسود كثيف وشاربين غليظين، يعتقد لوهلة أنه واحد من أبطال مسلسل “باب الحارة"، وهو الذي علم عن والده السوري الحقيقي فقط في عمر السادسة والعشرين؛ فماذا كان يعتقد ويفكّر حينها يا ترى؟
كانت عينه على “التفاحة"، ودأب بالتفكير خارج الصندوق، متخذا مساره الخاص بداية بإعلان إمبراطورية “الأنا" المبدعة، وكأنه يقول للعالم: أنا “ستيف" إبن فضاءات الإنترنت اللامتناهية. وبنرجسية خاصة به مطلوبة للإبداع في قطاع التكنولوجيا، قام بتقديم جملة من المنتجات للأسواق، ابتدأت بالأنا “آي": أي بود، وآي فون، وآي باد، وآي بوك. وقد كان مهووسا بوضوح الرؤية، ولهذا جنّد جيوشا من المبرمجين والمهندسين والمصممين، ورفع من مستوى توقعات المستخدمين، وكسر برودة عالم الإلكترونيات بأناقة تصميم استندت إلى روحانيّة انطلقت من أن التعقيد يأتي من استيعاب مفهوم البساطة أولا. فما هي قصتنا، إذن، في الفضاء العربي؟ وكيف نتمكن الآن من إخراج شركة تكنولوجيا مُصدّرة كبرى من المنطقة، وما هو المطلوب؟ وما هو بالضبط شكل هذا “السيستيم" الذي يُفرّخ الآن عددا من المُقّلدين والمستهلكين أكبر من الموهوبين من أمثال “ستيف" السوري؟! عفوا، أقصد “ستيف جوبز" الأميركي؟ وكيف ومتى حدث له ما حدث؟ وأين ابتدأت بالضبط  حكاية الطفل ابن الأشهر الذي قامت باحتضانه منظومة كاملة من العلم والعمل؛ من المنزل، أم من الجامعة مثلا؟ وسؤالي هو: هل كانت ستوجد فرصة “لابن الجندلي" في فضائه السوري أو في الفضاء العربي؟ ومن ثمّ، إن كان من الأجدى الآن في الشأن الاقتصادي التخطيط والتمويل للحصول على التّفاحة الأردنية وعلى “ستيف" الأردني؟
عُرف “جوبز" بمناوراته ودهائه وعناده، كما وصفه العديد من أصدقائه. ولهذا تفسير جيني على الأغلب. وما تبقى من سؤال الهوية المُلتبس لديه شارك به العالم ضمن فضاءات التواصل والإنترنت التي زودتنا فيها شركة “Apple" بجملة من الأجهزة والمُبتكرات الذكيّة. فماذا نقول عنه إذن، وبماذا نصفه؟
هل نصفه بأنه من أعظم من رعته واحتضنته وربته القارّة الأميركية؟ أم أنّه أعظم من أنجبته العرب وخسرته العرب؟! ولا عجب، فللحياة قوانينها الخاصّة بها؛ إذ أبواب فيها تُفتح على مصراعيها وأبواب فيها تُوصد. ولكن إن خرج اليوم موهوب من باب شرقي، فإنه لا يعود أبدا!
*خبيرة في الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018