انشغال مصر بنفسها

سليمان نمر

من مصر إلى سورية، مرورا بليبيا واليمن، تختلط الرؤى إلى درجة تثير الشكوك وتطرح التساؤلات حول ما يجري ليس في هذه الدول التي أطاحت وتحاول الإطاحة بطغاتها، بل في العالم العربي بشكل عام.
في مصر التي نحب وأحببنا ثورتها التي أشعلت آمال العرب وربيعهم، نراهم مشغولين بترتيب أوضاع بيتهم الداخلي الذي عشش فيه فساد النظام القديم لأكثر من 30 عاما، وترك قوانين وأنظمة شرعنت الفساد وقننت سرقة مصر ونهبها، وحتى إذلالها وخضوعها.
صحيح أنهم في مصر أسقطوا نظام الفساد القديم، ولكنهم لم يتخلصوا منه ومن أعبائه وقوانينه التي تقيد مصر. وهم يحاولون بناء نظام جديد، ولكن ما تزال عقلية النظام القديم وأدواته وجهازه الإداري تدير البلاد.
في مصر تتنافس (إن لم نقل تتصارع) قوى الداخل الطامعة في حكمها، وتتكالب قوى الخارج لإجهاض ثورتها وإحباط الآمال والتطلعات لاستعادة مصر لدورها القيادي في عالمها العربي المحتاج إليها كاحتياج شعبها لنظام جديد ونظيف يحكمها.
وإذا كانت قوى الداخل أدخلت مصر في دوامة من الجدل والحوار حول شكل النظام الجديد القادم، فإنه لا خطر على مصر ولا مشكلة من هذا الحوار والجدل سوى أنه سيطيل عملية التغيير، وسيشغل مصر بنفسها إلى درجة يلهيها عن استعادة دورها الإقليمي والعربي الذي أضاعه النظام القديم ضمن ما أضاع من ثروات مصر ومقدراتها.
لذلك، حتى الآن لم نر مصر قد استعادت، أو بدأت في استعادة دورها الذي ننتظره منها نحن العرب.
وللحقيقة، حاولت مصر "الجديدة" أن تبدأ باستعادة هذا الدور، حين رفعت الحصار المصري الظالم عن غزة، وحين عملت على التوصل إلى الاتفاق الفلسطيني لتحقيق المصالحة الوطنية. ولكن يبدو أن قوى الخارج لا تريد لمصر أن تتحرر من تبعيات سياسات الذل والمسكنة التي فرضها النظام السابق على مصر، والتي ألغت دورها العربي والإقليمي وجعلتها جزءا من النظام العربي الرسمي العاجز عن الفعل أو رد الفعل.
قوى الخارج، ونقصد منها هنا النظام العربي الرسمي، تريد إجهاض ثورة مصر، لذلك يريد النظام العربي الرسمي أن يشتري الثورة، لكي تبقى مصر ضمن منظومة هذا النظام المريض الذي أصبح مستكينا لمرضه ويرى في أي نظام عربي جديد يأتي بعد ثورة شعب تهديدا له ولعجزه.
لذلك، انهالت وعود أغنياء النظام العربي الرسمي على مصر بتقديم منح ببلايين الدولارات، في محاولة لشراء ثورة مصر وإفسادها، أو على الأقل إبقائها مشغولة بحالها. قوى الخارج الأخرى، أي الولايات المتحدة والغرب، تلوح لمصر "الجديدة" بالبلايين أيضا من المساعدات المالية والاقتصادية، ولا تنسى أن تشيد بثورتها "التي حققت الديمقراطية" لتزيين التبعية للغرب "الديمقراطي" من قبل النظام المصري الجديد. ولكن الحقيقة أن الولايات المتحدة والغرب لا يريدان من مصر أن تكون ديمقراطية، ولا أن تستعيد مصر عافيتها لتستعيد دورها. لأن هذا الغرب لا يريد أن ينسى كيف طرد من المنطقة حين كانت "مصر عبدالناصر" تقوم بدورها القيادي والوطني في عالمها العربي، ولأن الولايات المتحدة والغرب -وطبعا العدو الإسرائيلي معهما- لا يريدان أن تعود مصر القوة العربية الإقليمية الأقوى التي تتصدى لمصالحهم ولأطماع الآخرين، مثل إيران، في المنطقة.
ويبدو واضحا أن قوى الخارج هذه (الولايات المتحدة والغرب) تمارس الضغوط على مصر أكثر من ممارستها لسياسة الاحتواء، لتوقف -حتى ولو بالتهديد- أي مساع لمصر لتستعيد دورها الإقليمي.
ونشعر أن مصر في ظل انشغالها بترتيب أوضاعها غير قادرة على مواجهة ضغوط الخارج، خصوصا ضغوط الغرب. والدليل أن مصر أعادت ضخ غازها المستباح لإسرائيل، ومطلبها الآن تحسين الأسعار. وليس عند واشنطن مانع أن تدفع منها فرق تحسين الأسعار هذا، لأن المهم أن يبقى الغاز رمزا لعدم قدرة مصر على التخلي عن "استسلامها" لإسرائيل.
والدليل أيضا على عدم قدرة مصر على مواجهة ضغوط الخارج، إعادة تشديد قوانين فك الحصار عن غزة، وكذلك تراخيها في متابعة تنفيذ اتفاق المصالحة الفلسطينية، الأمر الذي يتيح لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس أن ينفذ ما يريد من هذا الاتفاق وفقا لمزاجه السياسي.
والدليل أيضا أننا لم نر لمصر موقفا مما يجري في عالمنا العربي من ثورات، في ليبيا رغم أنها الدولة الجار، وفي اليمن الذي سالت على أرضه دماء المصريين دفاعا عن ثورته العام 1964. كما لم نجد لمصر أيضا موقفا ولا رأيا مما يجري في سورية من أحداث قد تهدد صمودها، وهي الدولة العربية التي كانت دائما الأقرب لمصر.
حين تبقى مصر مشغولة بنفسها، نرى عالمنا العربي مستمرا بعجز شعوبه عن التغيير، ويبعد عنا الحلم العربي، والدليل استمرار عجز ثورة الشعب اليمني عن حسم الأمور والإطاحة بالنظام الفاسد، رغم انهيار هذا النظام وغياب رئيسه المصاب للعلاج في الخارج.
والدليل أيضاً استمرار حلف شمال الأطلسي بتدمير ليبيا وقيادة ثورتها، بسبب ديكتاتورية زعيمها، وعجز الثوار من شبابها عن حسم الأمورعسكريا مع نظام متشبث بالحكم حتى ولو قتل شعبه.
وبسبب انشغال مصر بنفسها، نرى الغرب يحاول الاستفراد بسورية لإنهاء دورها الإقليمي، مستغلا أخطاء النظام في سورية، وربما خطاياه، وهو يلجأ للقمع الأمني الذي أسال دماء الشعب في التعاطي مع احتجاجات شعبه.
وبسبب انشغال مصر، تبقى الولايات المتحدة مستفردة بالنظام العربي العاجز، وتبقى إسرائيل مستفردة ومستبيحة لكل عالمنا العربي.
وبسبب انشغال مصر، تبقى لإيران مساعيها لبسط نفوذها على عالمنا العربي، وتبقى تركيا صاحبة الدور الأكثر تحركا في التعاطي مع متغيرات عالمنا العربي وهي تبدي أنها المدافعة عن الشعب السوري.
وبسبب انشغال مصر بنفسها، يبقى النظام العربي المريض حيا، لا يريد أن يرتاح أو يريح.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018