فتى سلطي نبيل

عيسى الشعيبي

 

في حياتنا اليومية المتجهمة أكثر مما ينبغي بكثير، المثقلة بهموم شتى واهتمامات لا حصر لها، أحسب أن مراراتها تفيض عما تتسع له ضفاف النفس المعذبة، بدت لفتة الشاب محمد الجغبير الاعتذارية تجاه زوجته إيمان، بمثابة ملعقة فضية تقطر بالشهد المنقى، طاف بها هذا الفتى السلطي النبيل، بأناقة وكرم ضيافة وتهذيب شديد، على شفاه أزواج وآباء كثيرين، عقدت المرارة حلوقهم طويلاً، وادلهمت الدنيا في وجوههم لألف سبب وسبب، ليس في مقدمتها بالضرورة خلافات الأزواج وضيق صدر الآباء ونكد أمهات الأولاد.

من هنا تكتسب واقعة الاعتذار العلنية، وغير المسبوقة أبداً لدى مجتمع أبوي تستبد به تقاليد بطريركية صارمة وميثولوجيات تاريخية مغرقة في استعلائها الذكوري إزاء المرأة، أهمية استثنائية تتجاوز حدود ما هو ذاتي بكثير، وترتقي بالمناسبة الفردية إلى مستوى ما هو عام، على نحو يشف فيه حدث شديد الخصوصية عن رسائل غير مضمرة تخاطب مجتمعاً تعلو قباب روحه الجمعية سناج سُرج لم يبق في فتيل الواحد منها سوى قطرتين من الزيت، وشهقة واحدة مما تبقى من ضوء في عتمة الليل، والليل طويل بعد.

ولعل السؤال هو من يقدر بين ظهرانينا على فعلة الاعتذار، حتى بدرجة أقل علنية مما فعله الجغبير أمام المارة وعدسات المصورين؟ ومن يجرؤ على مثل هذه المكاشفة الحارة مع النفس في وضح النهار، على لومها من دون تردد، على الانعتاق من ربقة المكابرة، والكف عن التعلق بحبال المعاندة، إلا الرجال الكبار في نفوسهم، واسعي الخيال، أصحاء العقل عفيي القلب والوجدان.

لقد كان محمد الجغبير، وهو يعتذر على الملأ لزوجته عما بدر منه من أخطاء، يخاطبنا جميعاً نحن الذين نحب المرأة في السر ونميّز ضدها في المنزل ونغمط حقوقها في العمل، نستسهل الافتئات عليها في الحياة والممات، نقتلها باسم الدفاع عن الشرف، بعد أن أشبعها أجدادنا وأداً مخافة من عار وإشفاقاً من ملق.

كما كان محمد يخاطب في بادرته التي لن تمحى من الذاكرة، نساءً بيننا يدافعن عن ضرب المرأة، ويؤيدن الحجر عليها وراء الأسود الكثيف، ووضع كل أربع دجاجات على شاكلتهن في قن صفيح مع ديك فصيح، ويجادلن في أن المرأة كلها عورة، وأنها ناقصة عقل ودين وميراث، وخير ستر لها تزويجها في مطلع سن البلوغ.

وهكذا، فإن رسالة الجغبير التي بدت وكأنها آتية من حصيلة ثقافية معرفية تتقدم على تطورنا الاجتماعي بدرجة مسافتها نحو مئة سنة حضارية وأكثر، رسالة لا يستطيع صوغ بيانها الإسكندنافي الملهم إلا قلة قليلة، ممن لديهم مثل هذه الشجاعة الأدبية النادرة، وكل هذه الثقة العالية بالنفس، وهذه القدرة على المكاشفة والبوح بأعمق ما في خلجات العوالم الداخلية السليمة، من رقة طبع وعذوبة حب وسلاسة شعر، تماماً على نحو ما جاء في معلقته الصغيرة "إيمان، أنت أحلى قصائدي، لك وحدك أكتب، حبك يزيد في قلبي كل لحظة، لأنك كل شيء في حياتي".

لذلك كله، يجب ألا تمضي هذه الواقعة النادرة في مدار حياتنا الاجتماعية المسكونة بالقلق والألم ونشاف الريق، من دون أن تنال حقها بالتنويه والإشادة والاحتفاء، من جانب الإعلام والمثقفين الديمقراطيين والمؤسسات المعنية، والقيادات النسوية القادرة ربما أكثر من غيرها على تطويب هذه الحادثة السعيدة كمثال يدعو إلى التمثل، ومن ثم الاستثمار فيها ما أمكن، لتخفيف حدة الإجحاف ضد الإناث، وكبح جماح قوى برلمانية تقونن التمييز وتشرعن جرائم الأشقاء الأشقياء، فضلاً عن نقابات تمالئ التشدد والمغالاة، وأحزاب أصولية تجاهر بالعداء ضد تمكين المرأة، وتستقوي عليها بموروث يجري تأويله بتعسف لتأبيد عصر الحريم، بما فيه من اضطهاد وتخلف واسترقاق.

[email protected]    

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018