"القيادة في الميدان".. حماس الرقم الصعب

د.أحمد جميل عزم

 

عندما اختلف قادة "فتح" في تموز 1967 على كيفية إدارة تلك المرحلة التالية للنكسة، واختلفوا أيضا على تحديد قائد "فتح" أو المتحدث باسمها، كان رد ياسر عرفات هو الاختفاء من "المسرح"، فقد بحث رفاقه عنه في دمشق حيث كانوا يختلفون، حتى وجدوا ورقة صغيرة في غرفته الصغيرة، تقول "القيادة في الميدان". لقد ترك مسرح الخلاف وذهب متسللا إلى أرض الحدث، في الضفة الغربية، يجول الجبال والوديان وأزقة المخيمات، وفي حارات القدس القديمة، ينشئ خلايا "الانتفاضة"، ومكث نحو شهر وعاد وقد أنجز المهمة، وعاد لا ليقود "فتح" فقط، بل والشعب الفلسطيني.

 

وبعد تلك الحادثة بأكثر من 16 عاما، أي في أيلول 1983، عندما حدث الانشقاق المدعوم من دمشق داخل "فتح" وداخل منظمة التحرير الفلسطينية، عاد عرفات من المنفى في رحلة أسطورية، متخفيا في قارب صغير بطيء من لارنكا في قبرص، معه ثلة من مساعديه، ليلتحق بنائبه خليل الوزير، الذي كان في الميدان في طرابلس، يقود معركة صمود المخيمات في وجه الانشقاق ووجه الأحزاب والحركات التي كانت تقوم بتنفيذ مخطط الاستيلاء على "ورقة" المقاومة، ورغم مغادرة عرفات السريعة والنهائية للبنان، فلا شك أنّ تلك الزيارة، وحتى ولو بقدر بسيط، كان لها دورها في مواجهة مخطط ضرب المقاومة.

عندما قامت حماس بما تسميه "الحسم العسكري" في غزة، أو ما تسميه فتح "الانقلاب"، لم يكن قادة غزة السياسيون، سواء أكانوا الرسميين، ممثلين بالقيادة الفلسطينية الرسمية، وقيادة منظمة التحرير هناك، أو حتى القائد الذي قال القيادي الفتحاوي نبيل عمرو، إنّه تم إعطاؤه غزة "مقاولة"، أي محمد دحلان في القطاع. ولم يحاول أحد من قيادات "فتح" أن يذهب للميدان، ليس فقط لقيادة الأجهزة الأمنية، ولكن لمحاولة إيجاد الحل السياسي السلمي، وترتيب الوضع هناك.

وتجري حرب غزة ويزداد الغياب، وسأقف عند 3 مظاهر لهذا الغياب بعيدا عن الغياب الفعلي للقادة الفلسطينيين الرسميين من غزة، على اعتبار أنّ ذلك سيتم تبريره بأنّ "الانقلابيين" يمنعونه. أول مظاهر الغياب، هو الغياب السياسي والدبلوماسي، وهذا ما أقر به الرئيس محمود عباس، بقوله في اجتماع لما قال الإعلام إنّه "للقيادة الفلسطينية"، فقد قال: "لا شيء في يدي لإنهاء الحرب". وأضاف: "نحن نتحرك على كل المستويات، لكن كما تعلمون ليس في أيدينا شيء نفرضه على أي من الطرفين، لا إسرائيل ولا حماس".

والغياب الثاني، هو الإعلامي، فتقارير وكالات الأنباء تنقل أنّ غالبية سكان غزة يتابعون كلما أمكنهم ذلك محطتي راديو "صوت الأقصى"، التابعة لحماس، و"صوت القدس"، التابعة للجهاد الإسلامي. لقد اختفى إعلام منظمة التحرير الفلسطينية، ونسمع في الضفة الغربية، محطات إذاعية تبث باسم "فتح"، وحقيقتها أنّها محطات تتبع أفرادا في "فتح"، شأنها شأن بعض الصحف، وهدفها دعم "المشرع الشخصي" لهؤلاء الأفراد الطامحين للقيادة، (أي قيادة، مهما كان الوضع العام.

والغياب الثالث، هو العسكري، فكتائب شهداء الأقصى، التابعة (نظريا على الأقل) لحركة "فتح" تكاد لا تذكر في سياق المواجهة في "غزة"، والمجموعات التي تذكر وتتبع "فتح"، مثل مجموعات أيمن جودة وأحمد أبو الريش، والتي لم تكن فعليّا ضمن العباءة الرسمية لمنظومات "فتح"، بقدر ما كانت جزءا من الحالة النضالية الفتحاوية القديمة، بتعقيداتها المعروفة.

يوجد في العلوم الاجتماعية، نظرية اسمها "الدور والمكانة"، فأي شخص يقوم بدوره الاجتماعي المفترض يحظى بمكانته اللائقة، فالأب يحظى بمكانته لأنه يقوم بالتربية والعناية والحماية والاهتمام بأبنائه، وغالبا يفقد الأب احترام المجتمع وأبنائه إن لم يقم بهذه الأدوار. وعدم قيام القيادة بدورها يفقدها مكانتها.

لقد كان ياسر عرفات يكثر من استخدام عبارة "أنا الرقم الصعب"، في إشارة إلى أنّه من دون منظمة التحرير، لن تنجح أي مخططات سياسية أو دبلوماسية تتعلق بالشأن الفلسطيني. ولا بد من الإقرار، بأنّ "حماس" هي الرقم الصعب الآن، وأنّ وجود قيادة منظمة التحرير ناجم عن اعتبارات سياسية وقانونية تتلاشى تدريجيا، وعندما تظهر نوايا إقليمية أو دولية لحراك سياسي، وهذا قد يحدث قريبا وربما بعد دخول باراك أوباما البيت الأبيض، وآنذاك ستعمق مشهد القيادة التي تتفرج من رام الله، ومشهد الرقم الصعب في غزة ودمشق.

ahmad.azem@alghad.jo

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018