استقالة في محلها

أيمن الصفدي

حدث ما كان لا بد منه. تحمل وزيرا المياه والصحة المسؤولية "الأدبية" والسياسية لأزمة مياه المنشية واستقالا.

رئيس الوزراء د. معروف البخيت اعتبر الاستقالة تكريساً لمفهوم المسؤولية المعنوية للمسؤول الأول في أي وزارة او دائرة. وهو بذلك محق. فهذا المفهوم تجذر عرفاً في الدول الديمقراطية حيث المساءلة الاخلاقية والسياسية أقوى في أحيان كثيرة من المساءلة القانونية في الإدارة العامة.

تحتاج المملكة أن تكرس هذا المفهوم أيضاً. فغياب المساءلة السياسية خلق بيئة سمحت بانتشار الترهل في العمل العام ووفر طمأنينة غير مستحقة للمسؤولين في مجتمع لم يتكرس فيه بعد ان هؤلاء المسؤولين هم خَدَمة عامون لا أصحاب مناصب محصنة ضد المساءلة والرقابة المجتمعية.

لكن استقالة وزيري المياه والصحة لا تغلق ملف تلوث مياه المنشية. ثمة لجنة تحقيق فنية تتقصى الحقائق حول الإهمال والقصور اللذين قال رئيس الوزراء ان المعلومات المتوفرة أثبتت وجودهما. الناس ينتظرون الاعلان عن نتائج هذا التحقيق. ولا بد من متابعة قضائية لمن يثبت أنه تسبب في معاناة الألوف من المواطنين. وإعلان هذه النتائج جزء من مسؤولية أخرى غير المسؤولية "الأدبية" وهي مسؤولية ضمان الشفافية وسيادة القانون في ادارة الشأن العام.

إضافة الى ذلك، يجب ان تنتهي ازمة مياه المنشية الى مراجعة شاملة للآلية المتبعة في ضمان سلامة مياه الشرب وجهوزية شبكات المياه. وثمة حاجة أيضاً لتفعيل القانون للحد من ممارسات غير قانونية مثل الاعتداء على شبكات المياه لسقاية المواشي التي يمكن أن تكون السبب اساسا وراء تلوث مياه المنشية.

أزمة مياه المنشية جزء من مشكلة متعددة الجوانب. جزء منها مرتبط بترهل في التزام الاجراءات المحددة لضمان الجودة سواء في المياه او غيرها من الخدمات. لكن الجزء الآخر مرتبط بممارسات غضت الحكومات الطرف عنها في اطار سياسات الاسترضاء التي اتبعتها لعقود فسمحت لبعضٍ ان يكون فوق القانون يعتدي على اراضي الدولة وشبكات المياه وغيرها من الممتلكات العامة.

ازمة المنشية، مثل "ثلجة الجنوب" و"شتوات عمان" عرّت ضعفاً وركاكة لا يُبرَّران في البنية التحتية. ولا حاجة لانتظار ازمات جديدة لاكتشاف اختلالات اخرى. فقد يكون من المفيد ان يشكل رئيس الوزراء فرق عمل تدرس حال البنى التحتية المرتبطة بالخدمات الرئيسية مثل المياه والكهرباء والمجاري وإجراءات السلامة العامة في المصانع. ولو كانت المسؤولية المعنوية والمساءلة القانونية اجراءات متجذرة في العمل العام، لما انتشر الترهل والإهمال في الكثير من إدارات البلد.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018