دور القوات الإسرائيلية في ضرب منشآت نووية إيرانية


الملف النووي الإيراني كان له موقع مؤكد في لقاء الرئيس الأمريكي جورج بوش مع رئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون في تكساس، حيث قام الجنرال الإسرائيلي يواف غالان، الذي رافق شارون في زيارته إلى الولايات المتحدة الأمريكية، بإعطاء إيجاز عن منشآت نووية إسرائيلية، وعرض صوراً ملتقطة لها من الجو كانت قد جمعتها مؤخراً أجهزة الإستخبارات الإسرائيلية، ووصفتها بحضور الرئيس الأمريكي بأنها "برنامج نووي متقدم جداً"، على حد قول الإذاعة الإسرائيلية العامة الذي تناقلته وكالات الأنباء العالمية في حينه. وعلى الرغم من نفي الناطق باسم البيت الأبيض سكوت ماكليلان لتطرق بوش وشارون إلى إمكانية قيام إسرائيل بشن ضربة عسكرية وقائية على منشآت نووية إيرانية، إلا أنه أكد أن الإيرانيين يسعون إلى تطوير أسلحة نووية تحت غطاء برنامج نووي مـدني.


فما هي الكيفية التي قد يتم من خلالها توجيه ضربة عسكرية استباقية لمنشآت نووية إيرانية حساسة، إذا ما صدر قرار أمريكي إسرائيلي بذلك؟


ثمة جدل كبير في أوساط المحللين العسكريين حول الدور العسكري المرتقب للقوات الإسرائيلية في أية ضربة عسكرية محدودة أو شاملة ضد جمهورية إيران الإسلامية، وتحديداً على منشآتها النووية ومراكز الثقل الإستراتيجية والدفاعية والاقتصادية والسياسية فيها. كما خاضت وسائل الإعلام العالمية في الآونة الأخيرة في سيناريوهات متعددة تتعلق بفرضيات واحتمالات كثيرة حول كيفية تنفيذ هذا الدور.

 ويمكن في هذا المجال استخلاص أربع فرضيات رئيسية هي:


أولاً : تنفيذ عمليات عسكرية أمريكية مشتركة مع دول راغبة بالمشاركة العسكرية كما حدث في حربي الخليج الثانية والثالثة ضد العراق، دون مشاركة إسرائيلية مباشرة فيها.


ثانياً : تنفيذ عمليات عسكرية أمريكية – إسرائيلية مشتركة دون مشاركة طرف ثالث فيها.


ثالثاً : تنفيذ عمليات عسكرية أمريكية منفردة.


رابعاً : تنفيذ عمليات عسكرية إسرائيلية منفردة.


وفيما يتعلق بالخيار الأول، فإنه ونتيجة لتجارب الولايات المتحدة الأمريكية مع الدول التي شاركت إلى جانبها بقوات عسكرية منذ عام 1991 وحتى اليوم، لم يعد هذا الطرح مشجعاً لها، لا سيما وأن بعض تلك الدول قد سحبت قواتها من العراق خلال العام المنصرم 2004 وجاء في مقدمتها أسبانيا، فيما من المتوقع أن تسحب بعض الدول المشاركة جنودها من العراق خلال العام الحالي 2005 مثل بولندا.

ناهيك عن أن بعض الدول، كالهند وباكستان، كانت قد رفضت المشاركة أصلاً مع قوات التحالف متذرعة بضرورة صدور قرار عن الأمم المتحدة، وبوجود قوات دولية للعمل تحت مظلتها.

 ولذا فإن قيام واشنطن بطلب مشاركة عسكرية لقوات متعددة الجنسيات لم يعد خيارا مجدياً على مختلف الصعد السياسية والعسكرية والاقتصادية، حتى وإن تمكنت واشنطن من استصدار قرارات من الأمم المتحدة بهذا الشأن.

 يضاف إلى ذلك أن المشاركة متعددة الجنسيات كانت شكلية الطابع ولأغراض سياسية، ولم تقدم شيئاً عملياً حاسماً للقوات الأمريكية على مستوى العمليات العسكرية في العراق، باستثناء القوات البريطانية.


أما بالنسبة للخيار الرابع فإنه يصعب على إسرائيل القيام بعمليات عسكرية منفردة ضد إيران، لأسباب سياسية وأمنية ولوجستية.

 في حين يبقى الخيار الثالث ممكناً ولكن بدرجة ضعيفة، وتحت ظروف وعوامل محددة، أهمها الاكتفاء الأمريكي بعملية جراحية منفردة لاستئصال المنشآت النووية الإيرانية كافة، من خلال تدميرها وإخراجها نهائياً عن العمل.


وفي هذا السياق ربما يبقى الخيار الثاني هو الأكثر احتمالا من بين الخيارات المطروحة، بقيام القوات الأمريكية والإسرائيلية بعمليات عسكرية مشتركة لتدمير منشآت نووية ايرانية.

فالولايات المتحدة تبحث عن شريك قوي وراغب وقريب من توجهاتها الإستراتيجية في المنطقة، وقد لا تجد شريكاً أنسب من إسرائيل للقيام بالدور العسكري المطلوب، في حين ترى إسرائيل أن لها دوراً عسكرياً كبيراً في المنطقة لم يستثمر بعد، جنباً إلى جنب مع شريكها الإستراتيجي الأول (أمريكا)، وهو دور كانت قد حرمت منه في حربي الخليج الثانية والثالثة عامي 1991 و2003.


 ومع ذلك يبقى السؤال المطروح قائماً حول مدى وشكل الدور العسكري الإسرائيلي في هذا العمل العسكري المحتمل.


يرى بعض المراقبين صعوبة تنفيذ عمليات جوية ضد إيران تنطلق من داخل إسرائيل لبعد المسافة. وكانت هذه النظرة صحيحة لدرجة كبيرة قبل الوجود العسكري الأمريكي والبريطاني في العراق، عندما كانت القوات الجوية الإسرائيلية مضطرة للانطلاق من جنوب إسرائيل  والطيران فوق البحر الأحمر ومياة الخليج باتجاه جنوب إيران، بينما في الوضع الحالي لن تجد القوات الجوية الإسرائيلية عوائق كبيرة ومعقدة تمنعها من الانطلاق من جميع القواعد الجوية الإسرائيلية المنتشرة في وسط وشمال وجنوب إسرائيل والتوجه مباشرة على إرتفاعات شاهقة نحو الشرق باتجاه أهدافها المحددة في إيران، مستخدمة الأجواء العراقية في الذهاب والإياب، وإدارة العمليات القتالية بواسطة طائرات الإنذار المبكر والقيادة والسيطرة، وتزويد طائراتها المقاتلة بالوقود جواً عن طريق طائرات "الصهاريج الجوية" لتأمين عودتها إلى قواعدها في إسرائيل، دون اضطرارها للهبوط والتزود بالوقود، سواء على متن حاملات الطائرات الأمريكية في مياه الخليج أو في القواعد الجوية الأمريكية في منطقة غرب العراق، إلا في حالات الضرورة القصوى والطارئة.

كما ستعمل أيضاً طائرات التشويش الإلكتروني والحرب الإلكترونية الإسرائيلية بنفس الأسلوب. وهي بهذه الطريق توفر نصف المسافة المقطوعة من قواعدها في إسرائيل نحو إيران، إذا ما مرت من فوق البحر الأحمر.


وبناءً على متطلبات الخطة الأمريكية–الإسرائيلية المحتملة، يتوقع أن تتوزع المهام على القوات الإسرائيلية للقيام بدورها العسكري على النحو التالي:


القوات الإستراتيجية : وتقوم بضرب أهداف ومواقع إيرانية إستراتيجية ثابتة بصواريخ باليستية متوسطة المدى من طراز أريحا-1 وأريحا– 2، مزودة برؤوس تدميرية تقليدية، إذ تمتلك إسرائيل نحو 150 صاروخاً من هذين النوعين.

 كما أنه من المتوقع أن تقوم إسرائيل بإطلاق عدد محدود من صواريخ أريحا-3 طويلة المدى، وبرؤوس تدميرية تقليدية أيضاً، على أهداف إيرانية بعيدة في المنطقة الشمالية الشرقية وجنوب بحر قزوين، وذلك بقصد اختبار تلك الصواريخ وتقويم كفاءتها العملياتية والفنية.

 وليس من المتوقع قيام إسرائيل باستخدام أسلحة دمار شامل إلا إذا وجدت نفسها في موقف صعب، أو قامت إيران باستخدام مثل هذا النوع من المواد ضدها.


القوات الجوية : إذ تمتلك القوات الجوية الإسرائيلية عشرين سرباً فاعلاً، منها سربان للتفوق والقتال الجوي بطائرات ف-15، واثنا عشر سرباً ضارباً ومعترضاً، منها عشرة أسراب مجهزة بطائرات ف-16، وسربان مجهزان بطائرات كفير.

وتوجد ثلاثة أسراب مقاتلة قاذفة، إحداها مجهز بطائرات ف- 15، وسربان مجهزان بطائرات من نوع ف-4، فيما جهزت الأسراب الثلاثة الهجومية المتبقية بطائرات من نوع ف-16.

 ويمتلك سلاح الجو الإسرائيلي سرباً للاستطلاع الجوي وسربين للحرب الإلكترونية وخمسة أسراب للنقل وإعادة التزود بالوقود جواً والإنذار المبكر.

ويضاف للأسراب العشرين المذكورة سرب للدوريات البحرية، وخمسة أسراب من المروحيات الهجومية المجهزة بطائرات من نوع أباتشي وكوبرا، وأربعة أسراب طوافات للنقل، وثلاثة أسراب للارتباط. ويصل العدد الإجمالي للطائرات في الوحدات الجوية العاملة نحو 630 طائرة، يضاف إليها 150 طائرة كفير وفانتوم وسكاي هوك مخزنة في الاحتياط الإستراتيجي.


وفي هذا السياق، فإن من المتوقع أن تقوم الطائرات المقاتلة الحديثة من نوع اف-16 واف-15 بالعمليات القتالية الرئيسية وتنفيذ الموجات الأولى من الهجوم، فيما تبقى الطائرات من نوع اف-4 وكفير في الإحتياط وحراسة الأجواء الإسرائيلية، وتقوم طائرات الاستطلاع والحرب الإلكترونية والتزويد والنقل والارتباط بتنفيذ مهامها حسب الخطة المرسومة لها.

أما المروحيات الهجومية فقد تشترك في مراحل متأخرة جنباً إلى جنب مع المروحيات الأمريكية المنتشرة في القواعد الموجودة في العراق، منطلقة من المنطقة الشمالية الشرقية، إذا ما أقتضت الضرورة ذلك.


القوات البحرية : تمتلك القوات البحرية الإسرائيلية ثلاث فرقاطات، وإثني عشر زورقاً هجومياً صاروخياً سريعاً، وثلاث غواصات من فئة دولفين، وقوات خاصة بحرية تضم وحدة كوماندوس وسرية ضفادع بشرية. وهنالك ستة زوارق دورية، وثلاث سفن إنزال متوسطة، وزورق إنزال ميكانيكي، وثلاث عشرة مروحية تعمل تحت اسم طيران البحرية، بينما يتبع سرب طيران الدوريات البحرية، المجهز بطائرات من نوع (سي سكان) إلى القوات الجوية الإسرائيلية.


ومن المتوقع أن تتمركز غواصتان إسرائيليتان في مياه بحر العرب لضرب أهداف في جنوب إيران بصواريخ كروز، بينما تبقى الغواصة الثالثة كاحتياط في مكان ما في البحر الأحمر.

وليس مستبعداً مشاركة بعض القطع البحرية الإسرائيلية مع الأسطول الأمريكي في مياه الخليج، لأغراض الارتباط والتنسيق وضرب الزوارق والسفن الحربية الإيرانية، إذا ما اندلعت حرب شاملة في المنطقة.


القوات البرية : ليس من المتوقع إشراك قوات برية إسرائيلية ضاربة (باستخدام دبابات القتال الرئيسية وناقلات الجنود المدرعة والسيارات العسكرية المدرعة والمدفعية ومدافع الهاون والصواريخ المضادة للدروع وصواريخ أرض – جو ومدافع مضادة للطائرات) إلا بشكل محدود جداً، يقتصر على دعم وإسناد كتيبة العمليات الخاصة ولواء المظليين في القوات البرية الإسرائيلية، والذي قد تشارك بعض عناصره مع  القوات الأميركية الخاصة وقوات المظليين الأميركية في عملياتها ضد أهداف حساسة ومحددة داخل إيران.


وفي الخاتمة يمكن القول أن إسرائيل تنتظر بفارغ الصبر القيام بهذا الدور العسكري تكريساً لأهمية وجودها وتحالفها الإستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية واستخدام قدراتها الجوية الرئيسية وبعض قدراتها البحرية وجزء من قواتها البرية في عمليات عسكرية مشتركة مع القوات الأمريكية ، هي أشبة ما يكون - من وجهة نظرها- بالمناورات والتمارين التي تنفذها التشكيلات القتالية بالذخيرة الحية ضمن ميدان تدريبي واسع يتمثل بالساحة الإيرانية .


عميد متقاعد
مدير برنامج أبحاث الدفاع / مركز الخليج للأبحاث - دبي

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018