قصة استشهاد البطاينة في ليبيا 1914 والحكوم في القدس 1967

 

د. سعد أبو دية

عمان - في نهاية شهر نيسان 2008م وفي بلدة يبلا الآمنة المطمئنة، أقامت القوات المسلحة الأردنية احتفالاً مهيباً لدفن رفات الجندي الأول محمود محمد صالح الحكوم الذي استشهد في حرب 1967م دفاعاً عن القدس.

تسلمت القوات المسلحة الأردنية رفات الشهيد على جسر الملك حسين قبل فترة بالتنسيق مع السلطات الفلسطينية، وأجرت له وقتها مراسم استقبال عسكري.

والشهيد كان قد جرح يوم 8/حزيران في حرب 1967م، ولم يجد إسعافاً فزحف حتى قرية عناتا (القدس) وهناك اعتنى به أهالي القرية، ولكنه وبتأثير الجراح انتقل إلى رحمة الله، بعيداً عن أرض الوطن.

ذكرى بعثت ذكرى

هذا بعث في خاطري قصة الشهيد نجيب السعد البطاينة الذي استشهد على أرض ليبيا عام 1914 بعيداً عن أرض الوطن أيضاً، وتحت تأثير الجراح، ودفاعاً عن قضايا الوطن العربي الكبير.

قصة نجيب البطاينة:

نجيب البطاينة، وهو من مواليد البارحة اربد، كان ضابطاً في الجيش العثماني، وتخرج عام 1907م برتبة ملازم ثان، وعمل في الجيش وأصبح قائداً لقوات الهجانة في العقبة.

ونجيب هو شقيق الأخ الدكتور عارف بطاينة وهو ابن الشيخ سعد العلي البطاينة ولكن يُعرف في ليبيا باسم (نجيب الحوراني) وقد أطلق اسمه على أهم شوارع المدن الليبية، وله مكانة خاصة في نفوس الليبيين الذين عاصروه والذين جاءوا من بعدهم، ولقد شاهدت بنفسي أثناء زيارتي إلى ليبيا عام 1992م الاحترام الكبير الذي يذكره به الليبيون.

سيرة الشهيد العطرة:

لاحظت الاحترام للشهيد نجيب الحوراني بإطلاق اسمه على أفضل الشوارع في المدن الكبرى؛ فهو شهيد على مستوى الوطن. وذكرت لي قصص أنه أصبح جزءاً من الأمثال الليبية في بعض المناطق، إذ أنه إذا بالغت امرأة في الحزن والبكاء يقولون لها على من تبكين؟ هل تبكين نجيب!!!؟ وهكذا فإن نجيب الذي استشهد في ليبيا وجد البواكي عليه.

متى استشهد نجيب وكيف؟

عرفت عن نجيب من كتاب يعقوب العودات (القافلة المنسية)، ولم اكتف بما قرأته هناك، وكتب عنه شكيب أرسلان في مقدمة كتاب حاضر العالم الإسلامي الذي ترجمه للعربية. ولم أكتف.

سألت الدكتور عارف بطاينة عن قصة استشهاده، فاخبرني نقلاً عن آخرين أنه زار قبره وهناك صور، ولكن المعلومات غير كافية.

الوثائق الليبية:

من حسن الحظ أن الأخ العقيد القذافي دعم حركة الكتابة وفتح الوثائق وترجمتها وأغرق الكتاب الليبيون المكتبة الليبية بآلاف الكتب، ولما كنت في ليبيا عام 1992م اطلعت على هذا الكم الهائل من التراجم والتأليف وهناك (معجم معارك الجهاد في ليبيا 1911) وبدأت أقرأ عن المعارك التي نشبت بين الثوار والمجاهدين في تلك الفترة وبين القوات الإيطالية.

لكن كيف عرف اسم المعركة التي استشهد فيها نجيب؟

معركة مسوس:

حدثني الدكتور عارف أنه زار مسوس، وأن قبر نجيب متواجد فيها. وبدأت أقرأ عن معركة مسوس في الجبل الأخضر، وهي قريبة من بنغازي.

وقعت معركة مسوس في 3/3/1914م بين قوات أحمد الشريف السنوسي (السيد أحمد الشريف) والقوات الإيطالية. كان نجيب يقاتل مع المجاهدين.

وهنا أذكر للقارئ أن نجيب قاتل سابقاً بصفته ضابطاً في الجيش العثماني، وتزوج هناك من فايزة السنوسي، وعاد معها للبارحة، ثم ذهب إلى بنغازي مقاتلاً متطوعاً، ولم يعد للأردن إذ جرح في صدره وفخذه في تلك المعركة، وانتقل إلى رحاب الرفيق الأعلى بعيداً عن أرض الوطن.

تحطمت النصال على النصال:

لفت انتباهي أن نجيب، رحمه الله، خاض تلك المعركة وهو جريح، وأن جراحه لم تثنه عن واجب الجهاد.

كانت المعارك متتالية وخلال أسبوع واحد وقعت ثلاث معارك: الشلظيمية والكراديسي وزاوية مسوس، إذ وقعت تلك المعارك يوم 28/2 وفيها سقط (200) شهيد وفي يوم 1/3 وقعت معركة الكراديسي وفيها جرح نجيب وكان مجروحاً من قبل من المعركة السابقة، وفي الثالثة قضى شهيداً في اليوم التالي من المعركة التي وقعت يوم 3/3/1914.

والذي يلفت الانتباه تقدير الليبيين لهذا الشهيد، وبتلك الصورة وتخليد اسمه في شوارع ليبيا بهذا التقدير شيء استرعى انتباهي من الليبيين.

وهنا أشير إلى ظاهرة مهمة: أن من أقرب العرب لطبائع الأردنيين هم أهل بنغازي، وعندما حاول الإنجليز إدارة ليبيا في مطلع الأربعينيات بعد السيطرة عليها في الحرب فإنهم أرسلوا (ترايب) (بريطاني) للأردن والتقى مع سمير الرفاعي، وكان وزيراً للداخلية، وطلب منه أن يحدثه عن الإدارة الأردنية، وكتب صفحات قرأتها كلها عن الطريقة الأردنية في الإدارة ليستفيد منها في إدارة منطقة بنغازي ذات الشبه بالأردن والأردنيين.

عودة الحكوم للوطن:

لقد عاد رفات الشهيد الحكوم إلى أرض الوطن بعد غياب (41) عاماً وظل جثمان الشهيد البطاينة في ارض ليبيا. وفي الأردن ظلت زوجة نجيب البطاينة (فايزة السنوسي) وتزوجت من الشيخ (عقلة نصير)..

اللقاء في اجتماع القيادة العربية الموحدة:

وفي اجتماع القيادة العربية في القاهرة (1964) سأل الضابط الليبي الشريف أحمد الهوني الضباط الأردنيين عن شقيقته زوجة البطاينة، وتطوع الضباط الأردنيون بالاتصال مع معسكر الزرقاء حيث يوجد ابنها وتم الاتصال، وبعد ذلك تم جمع الشمل بين فايزة وأولادها مع أخوالهم، وعاشت فترة بعد ذلك وزارت ليبيا, وعادت للأردن وتوفيت فيه عام 1975م.

وأخيراً:

هذه قصص العسكريين الأردنيين الذين دافعوا عن قضايا الوطن شرقه وغربه ولبوا النداء ونفروا خفافاً وثقالاً في سبيل قضايا الوطن، تغمدهم الله بواسع رحمته، وجعل لنا في سيرتهم الزكية نبراساً يضيء معالم الطريق، سائلأ المولى أن يكون لهم التقدير الدائم في البلاد التي استشهدوا من أجلها.

abudayeh @hotmail.com

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018