الوثائق العراقية وبعض أسرار احداث الزرقاء 1957 وما قبلها

 

الدكتور سعد أبو دية

عمان ـ من المفيد أن الوثائق العراقية تضمنت أسرار مراسلات ما بين الحكومة الأردنية والعراقية، وتضمنت اعترافات وزير الخارجية الأردني الأسبق عبدالله الريماوي (عامي 1956و 1957) وفيها كتب رسالة إلى العميد (المتقاعد) خليل إبراهيم حسين معاون مدير الاستخبارات العراقية العسكرية عام 1958م.

 تاريخ الرسالة ليس بعيداً عن تاريخ الأحداث فقد كتبها عام 1970م. كان عبدالله الريماوي لاجئاً سياسياً في مصر آنئذ (ملاحظة: عندما كنت في السفارة الأردنية بالقاهرة التقيت بالسيد جبر الإميركاني وهو فلسطيني يقيم في مصر وكان عبدالله الريماوي يسكن عنده. وقد حدثني الكثير عن حياة عبد الله الريماوي وذكرياته معه).

 وأعود لموضوع رسالة عبدالله الريماوي إلى خليل إبراهيم حسين والتي كتبها بخط يده وأعود للوثائق العراقية وفيها مراسلات أردنية وفيها ما يكشف ماذا جرى عام 1957م إذ ظل هذا الموضوع غامضاً تقريباً وظلت هناك حلقة مفقودة, في روايات الضباط الأردنيين.

 وتعزز الوثائق العراقية رواية (نذير رشيد) أحد ضباط تلك الفترة المهمين الذي روى عدة مرات أن حزب البعث استغل بعض الضباط الأردنيين في الجيش دون أن يشعروا احياناً. وللعلم فإن نذير رشيد كان هو قائد كتيبة المدرعات الأولى التي ذكرتها الوثائق العراقية كما سنلاحظ بعد قليل.

المراسلات الأردنية: في المراسلات الدبلوماسية

هناك مذكره شفوية (Verable note) وهي رسالة في اللغة الدبلوماسية تعرف بالمذكرة الشفوية علماً أنها (مكتوبة) بصيغة الغائب. وفيما يلي نص المذكرة الشفوية الأردنية التي تطالب العراق بسحب جميع القوات العراقية قبل أحداث نيسان بكثير، وفيها رجاء من الأردن أن ترسل السفارة هذه المذكرة إلى الحكومة العراقية بأسرع وقت ممكن لأهميتها الخاصة.

نص (المذكرة):

الرقم 5516 36 56

التاريخ 6/12/1956

تهدي وزارة خارجية المملكة الأردنية الهاشمية تحياتها إلى السفارة العراقية في عمان وتتشرف بأن ترجوها نقل هذه المذكرة إلى الحكومة العراقية بأسرع ما يمكن نظراً لأهميتها الخاصة.

استناداً إلى قرار مجلس الوزراء الأردني رقم 92 الصادر بتاريخ 2/12/1956 والموشح بالموافقة الملكية السامية المرفق نسخة منه بهذه المذكرة. ترجو الحكومة الأردنية الهاشمية من الحكومة العراقية سحب جميع القوات العراقية من الأراضي الأردنية بأسرع ما يمكن.

تنتهز ........

ختم

السفارة العراقية: عمان

وفيما يلي نص قرار مجلس الوزراء

رقم القرار

92 مجلس الوزراء

بالنسبة إلى ما ورد في مذكرة الحكومة الأردنية الهاشمية الموجهة بواسطة سفارتها في بغداد إلى الحكومة العراقية تحت رقم 4/7/858 تاريخ 26/11/1956 وبسبب الظروف الهامة التي طرأت بعد دخول القوات العراقية إلى الأراضي الأردنية، ولما كانت الأزمة الدولية قد انفرجت، قرر مجلس وزراء المملكة الأردنية الهاشمية أن يطلب إلى الحكومة العراقية سحب جميع قواتها من الأراضي الأردنية بأسرع ما يمكن ورفع هذا القرار إلى السده الملكية ليقترن بالتصديق الملكي السامي

2/12/1956

بيان الحكومة العراقية يحمل المسؤولية للريماوي:

أصدرت الحكومة العراقية بياناً دافعت فيه عن النوايا العراقية تجاه الأردن وحملت عبدالله الريماوي سبب طلب سحب القوات العراقية. لن أعيد كتابة البيان لأن فيه أشياء تتجاوز الأعراف الدبلوماسية.

وأقتبس من البيان العراقي ما يلي:

[وهنا تساءل (العراقيون) لماذا حدث هذا التبدل المفاجئ في موقف الحكومة الأردنية .....]

ومضى البيان إلى أن قال:

[ فقد حدث هذا بعد أن عاد معالي السيد عبدالله الريماوي وزير الدولة الأردنية للشؤون الخارجية من سفرته إلى دمشق وكان قد ذهب إلى هناك لا ليستثير هيئة عربية مسؤولة أو جهة عسكرية ذات اختصاص. كلا، بل لتلقي الوحي أو الإلهام ممن يسمونهم البعثيين..]

ويمضي مهاجماً الريماوي إلى آخر البيان وفي الصياغة تهكم عليه.

 الوثائق تكشف اتصالات مع سليمان النابلسي

اتصل الضباط العراقيون وتحديدا عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف مع سليمان النابلسي رئيس الوزراء الأردني (1956-1957) وعرضا عليه السيطرة على الحكم في الأردن، كما ذكر الرائد الركن المتقاعد حافظ علوان (عراقي) في شهادة خطية أن عبد الكريم قاسم هو الذي أخبره بذلك.

 رفض سليمان النابلسي عرض عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف، وقال لهما: (الأولى أن تسيطروا على الحكم في العراق وتزيلوا نوري السعيد لأن الأردن دولة ديموقراطية) هذا ما كتبه حافظ علوان خطياً للعميد إبراهيم حسين معاون مدير الاستخبارات.

عبد الله الريماوي يعترف بشهادة خطية عن اتصالات مع قاسم

اعترف عبدالله الريماوي أن عبد الكريم قاسم اتصل به وافصح له عن نواياه بعمل انقلاب في الأردن...

كتب عبد الله أنه لما سمع بذلك سافر إلى مصر وعرض الأمر على الرئيس المصري جمال عبد الناصر الذي رفض الفكرة بشدة وإصرار وعارضها بقوة، وقال إن الانقلاب في الأردن لا يخدم القضية العربية والوحدة العربية والدعوة إليها.

وبرر ذلك بأن أي انقلاب وحدوي في الأردن سيؤدي إلى اجتياح إسرائيلي وهذا لا يقبله أي عربي غيور على مصلحة أمته لان الأردن سيأتي مختاراً ويطلب الوحدة إذا ما تحققت وحدة الأقطار العربية الأخرى المحيطة به (وقال عبد الناصر أنه يعارض أي انقلاب في لبنان لنفس الأسباب).

عاد الريماوي وأبلغ عبد الكريم قاسم بوجهة نظر جمال عبد الناصر، ولكن عبد الكريم قاسم لم يقتنع بالإجابة وأخذ يعلق تعليقات فهم منها الريماوي أنه غير راض. هذا ما جاء في رسالة الريماوي الخطية عام 1970 إلى مساعد مدير الاستخبارات العراقية إبراهيم حسين.

رواية عفيف البزري تنظم خطط الريماوي في أحداث الزرقاء

ترك العراقيون الأردن وظل الريماوي وزيراً للخارجية، وأعاد العراقيون عرض ما كتبه عفيف البزري رئيس أركان الجيش السوري آنئذ بغض النظر عن عدم دقة المعلومات أو غرضها أو هدفها كما كتب خليل إبراهيم حسين معلقاً على ما كتبه البزري (وهو لا يتفق معه).

 كتب البزري

فكر النابلسي بتقديم استقالته يوم 5/4/1957 ولكنه لم يفعل! هنا سعى الريماوي لتشكيل حكومة ملائمة وأن يسبق الثورة السياسية بعملية عسكرية.

أوعز الريماوي لأنصاره العسكريين أن يقوموا بحركة توهم الناس أن الجيش يؤيده. قامت كتيبة المدرعات الأولى بمحاصرة عمان في اليوم الثامن من نيسان 1957 (أخطأ البزري كتبها 1956) بعد أن خدع الريماوي بعض الضباط هذه القطعة وأوهمهم أن هذا تنفيذ لقرار الضباط الأحرار.

والواقع أن الأكثرية الساحقة للضباط الأحرار تجهل هذه الحركة وفوجئت بها وروعت لقيامها.

رواية البزري

ذكرت مرة سابقا أن الضباط السوريين في الأردن لم يعملوا ضد الأردن، وأن اتصالاتهم بالضباط العراقيين كانت تهدف إلى نقل المعركة إلى اراضي العراق، إذ كانت هناك اشاعات أن العراق تعمل ضد سورية. وقد نجح السراج في اختراق الضباط العراقيين وكان حلقة وصل مع عبد الناصر.

الرواية الرسمية الأردنية:

من حسن الحظ أن كتاب (الحسين بن طلال) الذي صاغة (صلاح أبو زيد) صياغة جميلة جداً تحدث عن هذه الأزمة بالتفصيل، وكشف أن صمام الآمان في تلك الأيام كان رئيس الديوان الملكي بهجت التلهوني، كان الرجل المناسب القادر على مواجهة جميع أولئك الرجال، ومنهم سليمان النابلسي وعلي أبو نوار وعبدالله الريماوي.

كان الملك قد طلب من النابلسي تعديل الوزارة، وتلكأ سليمان في التعديل وشاور الملحق العسكري المصري وجاءه النصح أن يهرب من مواجهة الملك لعدة أيام. بدأت أزمة عرفت بالأزمة بين الملك والحكومة.

وفجأة بدأت الحلقة العسكرية الأردنية بالعمل مساء يوم الأثنين 8/4/1957 سمع الملك أن المدرعات تطوق عمان. كان يقودها (نذير رشيد) استدعى الملك رئيس الوزراء سليمان النابلسي وعلي أبو نوار قائد الجيش وعلي الحياري قائد الفرقة سأل الملك كل واحد على انفراد.

أجاب النابلسي أن التطويق للضغط عليه. أجاب أبو نوار والحياري أن العملية عملية احصاء سيارات داخلة إلى عمان، ويؤكد نذير رشيد ذلك وأن المناورة موافق عليها رسمياً من القيادة..... الخ

ملاحظة: الذي لفت الانتباه أن العملية تقوم بها مدرعات وليس سيارات خفيفة...

ليس هذه القشة التي قصمت ظهر البعير، بل أن أحداث يوم 9/4/1957 قلبت الأوضاع والمزاج العام السياسي، وفيها أجراء تنقلات بين ضباط الأمن العام دون علم مدير الأمن ودون علم وزير الداخلية عبد الحليم النمر.

جاء كل ذلك وسط جو عدم تعديل الوزارة وعدم تلبية رغبة الملك وعدم إجراء تحقيق خلال يومين في قضية المدرعات السابقة الذكر وإجراء تنقلات لضباط الامن.

لاحظ الحسين انصراف الضباط للسياسة فبدأ العمل عن طريق رئيس الديوان المحنك الذي دخل على رئيس الوزراء وعرض الأمر على مجلس الوزراء الموجود في تلك اللحظة في قاعة الاجتماعات وأنهى الأزمة السياسية.

وهنا اختم الحديث أن هناك تجاوزات حصلت من قائد الجيش إذ أن مدير الاستخبارات العسكرية الأردنية (كو جهل) بريطاني (في فترة كلوب باشا) كتب مذكراته ولم ينشرها وقد قرأتها (مخطوطة) وتحدث عن تلك الفترة ووصف تصرف قائد الجيش علي أبو نوار بدقة بالغة إذا قال إنه (Over stepped) يعني أنه تجاوز الحدود.

 وفي نظري أن تنقلات ضباط الأمن دون علم وزير الداخلية ومدير الأمن كانت من ثمار هذه التجاوزات، ولكن الوثائق العراقية كشفت أن الضباط العراقيين خططوا لانقلاب في الأردن بالتعاون مع الريماوي الذي سعى للحصول على دعم جمال عبد الناصر وفشل.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018