مسرح اليوم... مسرح الامس

هذا  العنوان ليس دعوة للعودة الى الوراء, ونبش الماضي المسرحي او اعادة احيائه, هربا من الحاضر المسرحي المتردي, فالذي يذهب تطويه الايام ولا يعود, تاركا مكانه لغيره, جيل يذهب وجيل يأتي, ومهما كان الماضي المسرحي متألقا, مسرح الستينيات , ومسرح ا لسبعينات حسب الكثير من الاراء الثقافية والفكرية والمسرحية, قياسا الى الحاضر المسرحي المتردي, الذي في ابسط توصيفاته وادبياته يفتقد الى الهوية الفنية,والهوية الفكرية , يظل الحاضر المسرحي, على مجمل علاته خطوة الى الامام, بغض النظر عن ظروفه وقوانينه وحاجته الى من يدافع عنه وعن وجوده من قبل فرسانه ورجالاته.

ان الحاضر المسرحي , احق بالالتفات اليه , من الذهاب الى الماضي المسرحي والارتماء على عتباته في يأس واستسلام, لكننا رغم ذلك لا نقلل من اهمية الاستفادة من عناصر الماضي المسرحية المتألقة, فالحاضر المسرحي مثلا يفتقد في بنيانه ومدماكه الى لبنة اساسية لا يمكن الاستغناء عنها , اذا اردنا للمسرح فعلا ان يرقى وان يتقدم ويتطور الى الافضل.

واشير هنا الى واحدة من اهم المقولات المسرحية التي اطلقها الماضي المسرحي, على لسان الكاتب والمسرحي الالماني, صاحب مدرسة التغريب في المسرح , برخت, قبل اكثر من خمسين عاما الا وهي : الحكاية روح الدراما التي كانت قد فعلت فعل السحر في مسرح الاربعينيات والخمسينيات وامتدت حتى نهاية السبعينيات وجعلت المسرح اقرب الى حياة الناس, اقناعا, وامتاعا, وتسلية , فهما وفائدة .

هل نسمي غياب الحكاية من العرض المسرحي , افتقادا للروح الادبية , من النص المسرحي التي كانتها النصوص في الماضي المسرحي البعيد والقريب ?!  ربما يكون هذا هو  الامر وهذا هو  السر ذلك ان الحياة عبارة عن حكاية كبيرة واذا كانت المسرحية قطعة من الحياة زائد موقف الفنان, فانها بالتالي جزء من الحكاية الكبيرة, فاذا افتقدنا هذا الجزء افتقدنا الى روح المسرح. على كل حال وباختصار وحتى لا نغرق في التفاصيل, فان المسرح - مسرح اليوم - بافتقاده - الحكاية - افتقد الى روح الدراما التي بدأت من سوفوكليس في بلاد  الاغريق القديمة, مرورا بشكسبير في اوروبا القديمة وانتهاء بآرثر  ميللر, وابن في اميركا واوروبا الحديثتين وبافتقاده - اي مسرح اليوم - الى روح الدراما, افتقد الى سحره وتأثيره.

وفي نظرة سريعة الى مسرح اليوم, بعد ان رمى الحكاية خلف ظهره, سنجده لا يتعدى الافكار المتناثرة هنا وهناك التي قد نصفق لبعضها, او تنحبس انفاسنا لبعضها الاخر, لكننا سوف لا نلتفت الى اكثرها المتكرر الممل الذي غالبا ما يأتي خارج السياق, وخارج النسيج, سواء كان هذا السياق وهذا النسيج اجتماعيا او فكريا او فلسفيا فلا يجمعه جامع ولا مظلة يفيء تحت ظلها, وهو منفصل عن اصوله الاجتماعية او السياسية او  الفلسفية, او الفكرية وهكذا غابت عن مسرح اليوم الحكمة وغابت الفكرة المضيئة وغابت الرؤية الشاملة واذا كان المسرح في احلى حالاته, وفي ارقى تجلياته يعكس جوهر الانسان داخل قطعة الحياة التي يعكسها او يناقشها, فان هذا الانسان داخل قطعة  الحياة في مسرح اليوم عبارة عن اشلاء متناثرة هنا وهناك, فالقلب في جهة والعقل في جهة ثانية والاطراف في جهة ثالثة, والاحاسيس والمشاعر في جهة رابعة, وهكذا فالروح منفلتة لا  ترسو في مكان ولا ترى في الزمان, فيبدو العرض والحالة هذه عبارة عن نبتة شيطانية في صحراء قاحلة.

لن اشير هنا الى الشكل الفني باعتباره مشكلة من مشاكل العرض  في مسرح اليوم, ليس  لان اهميته تأتي في المرتبة الثانية ابدا, فالشكل  كان دائما يتساوى في الاهمية مع المضمون, ولكن لانه يأخذ اهميته من الموضوع والزمان والمكان, ويأتي كنتيجة طبيعية وتحصيل  حاصل لثقافة العصر وثقافة المبدع نفسه, مخرجا كان او كاتبا, فالحكاية في نهاية الامر ثابتة, واما الشكل فمتغير حسب العصر اولا, والموضوع ثانيا, والمبدع ثالثا.

لذلك لن نختلف مع المبدع حول الشكل, اعني اننا لن نتوقف طويلا عند الطريقة التي يروي فيها المبدع في - مسرح اليوم - روايته, او مسرحيته, او موضوعه فلكل مبدع طريقته في رواية موضوعه, تختلف عن طريقة المبدع الآخر حسب ثقافة وفهم كل واحد منهم. ان رواية هملت قد قدمت من قبل مئات المخرجين في العالم, وظلت الرواية هي الرواية, ولكن لم يروها مخرج واحد كما رواها الاخر بنفس الطريقة وبنفس الشكل.

ان الحديث في الشكل والمضمون والدراما والحكاية, هو حديث يدور حول النص اولا واخيرا, وان اسطورة الانفلات والتحرر من النص باعتباره شيئا ناشزا, التي اطلقتها البنيوية النقدية,  والانتصار لتأليف العرض المسرحي من مجموعة عناصر فنية ذاتية لا تلتفت الى النص ولا الى الحكاية او تاريخ وواقع المؤلف والعصر الذي يعيش فيه هو حديث ليس لصالح المسرح او العرض المسرحي, او  المتلقي, او لصالح الادب المسرحي برمته, بل هو اساءة لكل هذه العناصر المسرحية, وهذه حقيقة قد اثبتت صمودها امام الفلسفة وامام الواقع وامام كل الرياح والعواصف النقدية التي وقفت في وجهها ورفضتها, والتي لا يختلف عليها اثنان لهما عقل ابداعي او  اتباعي. من هنا نقول للبنيويين النقديين فلتذهبوا الى الجحيم, انتم ونظرياتكم فلسنا مسؤولين عن خرافاتكم النصية عندما تريدون فصل الانسان - المبدع - عن اشيائه ومشاعره وتاريخه وثقافته وثقافة عصره ثم بناء حياة اخرى خارج كل هذا. نعم الفن هو حياة اخرى, ولكنها موازية للحياة الواقعية ولا يمكن الا ان ترتكز عليها وتكون جزءا منها بل وتشكل انطلاقتها الاولى. اقول ان من حقك التمرد على النص بعد ان يكون قد امتلك ناصية الحكاية, ومن حقك ان تعيد ترتيب الحكاية وتأليف عناصرها واولوياتها بما يتناسب مع ما تريد  ان تقوله او تؤكده او تلقي عليه ضوءك.

لكنك لا  تستطيع ولا يجوز لك ان تنفي الحكاية او تلغيها او ترفضها باي حجة كانت, لانها روح  الدراما, وبدون روح الدراما لا يستطيع احد الادعاء بانه يقدم مسرحا وبدون روح الدراما سوف تذهب  الى الفراغ والضياع واللامعنى.. كان تشيكوف, المسرحي الروسي, يقول في مسرحيته, النورس, ايها الممثل اياك والذهاب الى اللامعنى, انه مقتل الدراما, ومقتل الممثل ومقتل المسرح.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018