الإرهابيون الإسرائيليون ولدوا في الولايات المتحدة الأميركية

سارا يائيل هيرشهورن* – (نيويورك تايمز) 4/9/2015

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

القدس – في يوم 31 تموز (يوليو)، في قرية دوما في الضفة الغربية، تم إحراق الطفل الفلسطيني الرضيع علي دوابشة -18 شهراً- حياً. وتشير كل الأدلة المتوفرة إلى أن الحريق كان عملاً متعمداً من أعمال إرهاب المستوطنين الإسرائيليين. لكن الأكثر إقلاقاً أن العديد من المحرضين المزعومين، المحتجزين حالياً إلى أجل غير مسمى، ليسوا مولودين في إسرائيل، إنّ لهم جذوراً أميركية.
لكن مجتمعاتهم عبرت عن القليل جداً من الغضب. وكان رد فعل حاخامات المستوطنين وقادة مجتمعات المهاجرين الأميركيين في الضفة الغربية، إما التقليل من شأن جريمتهم أو الصمت عن الانتقاد.
من الجدير تذكر ردة فعل رئيس الوزراء الأسبق إسحق رابين على هجوم شنيع آخر حدث قبل عقدين من الزمن، عندما قام طبيب أميركي المولد، باروخ غولدشتاين، بإطلاق الرصاص على العشرات من الفلسطينيين وهم يؤدون الصلاة في الخليل.
في ذلك الوقت، تحدث السيد رابين بصوت راعد أمام الكنيست في شباط (فبراير) 1994: "لقد نشأ في مستنقع توجد مصادره القاتلة هنا، وفي الخارج عبر البحر؛ إنهم غرباء عن اليهودية، إنهم ليسوا منا. إنكم زرع غريب. إنكم عشب خاطئ. اليهودية الحقيقية تبصقكم وتلفظكم".
في ذلك الوقت، كانت مجزرة العام 1994 المروعة تشكل أعنف اندلاع لإرهاب المستوطنين الإسرائيليين، والذي شهده الفلسطينيون والإسرائيليون على الإطلاق. وبعد أقل من سنتين لاحقاً، سيموت السيد رابين نفسه، وقد اغتالته رصاصة أطلقها قاتل قومي متطرف.
فجأة، أصبحت مجموعة من المهاجرين اليهود الأميركيين، والتي كانت موجودة على هامش المجتمع، منبوذة على الصعيد الوطني. وكان رئيس سابق لإسرائيل، حاييم هيرتزوغ، قد وصف الولايات المتحدة بأنها "أرض خصبة" للإرهاب اليهودي؛ كما دانت صحيفة "معاريف" اليومية اليهود الأميركيين الذين "يرسلون أولادهم المجانين إلى إسرائيل". بل إن أحد الصحفيين الإسرائيليين طالب باتخاذ "خطوات عملية ضد غولدشتاينات المستقبل"، عن طريق حظر هجرة اليهود الأميركيين المتشددين.
لكن ذلك "المستقبل" وصل إلى هنا أخيراً.
بعد سنوات من منح الحصانة الممنوحة للمستوطنين الذين يرتكبون جرائم عنيفة، يفترض أن يكون جهاز الأمن الإسرائيلي الداخلي، الشين بيت، قد شرع في التحرك أخيراً باعتقال أربعة شبان يُعتقد بأن لهم صلة بأعمال إرهاب المستوطنين الأخيرة –ثلاثة منهم تمتد أصولهم إلى الولايات المتحدة.
المتطرف اليهودي المطلوب لجهاز الأمن الداخلي أكثر ما يكون هو مئير إيتنغر -24 عاماً- والذي لديه نسب يحظى بالتبجيل في الدوائر العنصرية والمتطرفة. إنه حفيد مئير كاهانا، الحاخام الأميركي المتطرف الذي هاجر إلى إسرائيل في العام 1971، وأسس حزب كاخ الذي كان كاهانا العضو الوحيد منه في الكنيسيت حتى تم حظر الحزب في العام 1988. (تم اغتيال كاهانا في نيويورك في العام 1990، لكن مسيرته المهنية وضعت الأسس للأحزاب المتطرفة والمعادية للديمقراطية في إسرائيل).
وثمة مطلوب آخر هو مردخاي ماير، 18 عاماً، من مستوطنة معاليه أدوميم خارج القدس. وهو ابن مهاجرين أميركيين، والذي زعم أنه أراد فقط دراسة التوراة وخوض مغامرة في الضفة الغربية. وهناك مستوطن أميركي آخر، إفرايم خانتسيس، الذي تم اعتقاله بسبب تهديده عملاء الشين بيت في المحكمة. والرابع، إيفياتار سلونيم، وهو ابن يهود أستراليين.
الآن، ينضم السادة إيتنغر وماير وخانتسيس فقط إلى قائمة طويلة من المستوطنين المتطرفين من جذور أميركية. وهناك مستوطن مولود في بروكلين، عيرا رابابورت، الذي لعب دوراً بارزاً في تفجير سيارة رئيس بلدية نابلس في العام 1980. وفي العام 1982، قام ألان غودمان، من أصول في بالتيمور الأميركية، بفتح النار على قبة الصخرة، وقتل اثنين من الفلسطينيين وجرح 11 آخرين. وفي نفس تلك السنة، سُجن مواطن سابق من بروكلين، يوئيل ليرنر، بسبب قيادته حملة تهدف إلى الإطاحة بالحكومة الإسرائيلية وتفجير الحرم القدسي.
وفي هذه الأيام أيضاً، يقوم الحاخامات من أمثال يتسحق غينسبورغ، المولود في سانت لويس الأميركية، ويترأس مدرسة دينية يهودية في مستوطنة يتسهار المتطرفة، بتكريس وتلقين الجيل القادم من الإرهابيين.
اليوم، وفقاً لمصادر الحكومة الأميركية والعديد من الدراسات الأخرى، ينحدر ما يقدر بنحو 12 إلى 15 في المائة من المستوطنين (60.000 نسمة تقريباً) من الولايات المتحدة. وقد انضم هذا المكون الأميركي غير المتناسب (نسبة إلى مجموع الإسرائيليين-الأميركيين)، إلى الإسرائيليين العلمانيين والمتدينين والمتشددين المتطرفين، وغيرهم من المهاجرين الجدد. ويعيش البعض منهم في بؤر استيطانية متطرفة على قمم التلال؛ بينما تعيش الأغلبية منهم في مستوطنات شبه حضرية بالقرب من القدس، لكنهم يعتبرون من بين الأعلى أيديولوجية على الإطلاق.
بدلاً من اقتباس الكتاب المقدس أو التحمس لفكرة خلاصية ما، يميل هؤلاء إلى توصيف نشاطاتهم بلغة القيم والمثُل الأميركية –كفرصة للدفاع عن حقوق الإنسان والعيش في "كامل أرض إسرائيل"- وهم يجلسون غالباً مع كوب من قهوة "ستاربكس" في منازلهم الجاهزة من الألمنيوم والتي تشبه الصناديق، أو في قصورهم الواقعة في الضواحي الاستيطانية الفخمة. وبالنسبة إليهم، يشكل العيش في الضفة الغربية ريادة على الجبهة الجديدة؛ ومن باب الإزعاج المحض أنهم كثيراً ما يطالبون بالأراضي الفلسطينية الخاصة. وبالنسبة للمجموعات المتعصبة منهم، توسع هذا التشبيه مع فكرة "الغرب الأميركي المتوحش" إلى أن أصبح عنفاً عشوائياً بلا تمييز.
على الرغم من أنهم يعيشون في مجتمعات نتيجة للاختيار الذاتي، والتي يمكن أن تشمل النشاط العنيف في بعض الأحيان، فإن العديد من الأميركيين غير الملتزمين بالقانون يواصلون النظر إلى أنفسهم على أنهم ليبراليون جيدون (كانت نسبة كبيرة منهم ناخبين ديمقراطيين يشاركون في حركة الحقوق المدنية والنضال ضد حرب فيتنام قبل الانتقال إلى إسرائيل).
في عهد قريب نسبياً في التسعينيات، كان الحاخام شلومو ريسكين، المؤسس والأب الروحي لمستوطنة إيفرات، قد عبر عن هذه النظرة، فأعلن: "لقد شاركت في مسيرات مع مارتن لوثر كينغ، ولدي مشاعر قوية تجاه الحقوق المتساوية". ولكن المستوطنين أصبحوا بالنسبة له هم الضحايا الآن. ويقول: "إننا لا نقاتل عدواً يلعب بنفس القواعد التي نتبناها. بالنظر إلى وحشية وبربرية العرب تجاه شعوبهم نفسها، فإن واجبنا الأخلاقي هو أن لا نقدم على الانتحار". بل إنه ذهب إلى حد مقارنة المستوطنين بالأميركيين الأفارقة في فترة حركة الحقوق المدنية. وهناك ناشط أميركي آخر من المستوطنين، هو يخيئيل لايتر، الذي يستشهد بخطاب غيتيسبيرغ للرئيس لينكولين ليوضح أن "الاستقلال والحرية لهما ثمن".
ولا يقتصر الأمر على أن هذا الاعتقاد يلازم صورة الذات عند العديد من المستوطنين الأميركيين من التيار السائد، بل إنهم تعلموا أيضاً قيمة التحدث بطلاقة عن القيم الليبرالية على الساحة الدولية. وعن طريق ترجمة الكتاب المقدس إلى خطاب عملي مقبول، لعب المستوطنون اليهود الأميركيون دوراً مركزياً في حملة العلاقات العامة الرامية إلى تغيير النظرة إلى حركة الاستيطان الإسرائيلية –وأصبح هؤلاء الذين يعلنون عن أنفسهم على أنهم ليبراليون يساعدون الآن في صرف الانتباه عن الجرائم التي يرتكبها اليهود.
عندما عقد والدا مردخاي ماير مؤتمراً صحفياً يشجبان فيه اعتقال ابنهما، قالا: "إننا مواطنون في الولايات المتحدة وقد نشأ أبناؤنا هنا، في دولة ديمقراطية. لقد هاجرنا من الولايات المتحدة إلى دولة ديمقراطية". والآن، كما اشتكيا: "نجد ابننا في السجن ونحن لا نعرف شيئاً". ولعل والدي ماير محقان في القول بأن الاعتقال الإداري إلى أجل غير مسمى هو ممارسة غير ديمقراطية، لكن مما ينطوي على مفارقة كبيرة أنهما يركزان على الميول غير الليبرالية لنظام العدالة الجنائية الإسرائيلي من أجل صرف الانتباه عن جرائم ابنهما المزعومة. (بعد كل شيء، لا نسمع المستوطنين وهم يشتكون عندما يتم احتجاز المئات من الفلسطينيين إلى أجل غير مسمى بموجب نفس القانون).
ترى عائلة ماير –والكثير من أمثالها- عدم وجود تعارض في استخدام اللغة الليبرالية لدعم مشروع الاستيطان غير الليبرالي بشكل مطلق. ومع كل احتجاجاتهم ومزاعمهم بأنهم ليبراليون جيدون، التزم العديد من قادة المستوطنين الأميركيين الصمت والصمم إزاء الأعمال الأخيرة من الإرهاب اليهودي. وإذا كان هؤلاء المهاجرون الأميركيون يعتقدون بأن العنف يشكل خيانة للقيم التي يعتبرونها عزيزة، فلماذا لم يعقد حاخاماتهم مؤتمرات صحفية لينددوا علناً بالإرهابيين في مجتمعاتهم وعائلاتهم الخاصة؟ أين هي مقالات الرأي التي يكتبونها في الصحف الأميركية والإسرائيلية، والتي تدين التطرف اليهودي العنيف؟
على مدى أربعة عقود، كانت إدانات هؤلاء إما صامتة أو مخففة في إطار محاولتهم التقليل من شأن الإرهاب اليهودي عن طريق تأطيره بأنه قضية "فهم السياق" –كناية عن أن هذه الأفعال هي رد فعل على العنف الفلسطيني. وبينما لا يوجد تبرير للإرهاب الفلسطيني بدوره، فإنه لا يكفي أن يقوم اليهود بالتبشير بأن على الفلسطينيين المعتدلين أن يتكلموا، وإنما يجب على هؤلاء المبشرين نبذ القتلة في مجتمعاتهم، ووقف التحريض على ارتكاب نفس الأعمال العدوانية داخل مجتمعاتهم.
لم يعد يمكن أن يتغاضى اليهود الأميركيون في الوطن والخارج عن هذه البقع العمياء ويلتزموا بالصمت الملعون عندما يأتي الأمر إلى التطرف اليهودي في إسرائيل. إنه من واجب كل هؤلاء الذين يسعون إلى السلام والعدالة، أن يتبنوا دعوة السيد رابين إلى لفظ الإرهابيين والمتعاطفين معهم وإخراجهم من بيننا.

[email protected]
*محاضِرة وزميلة بحث في جامعة أوكسفورد ومؤلفة الكتاب الذي سيصدر قريباً: "مدينة على أعلى التلة: اليهود الأميركيون وحركة الاستيطان الإسرائيلية منذ العام 1967".
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Israeli Terrorists, Born in the U.S.A.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018