لماذا ترامب؟

إليزابيث درو*

واشنطن العاصمة – كيفما كان مآل ترشيح دونالد ترامب، سواء فاز بترشيح الحزب الجمهوري أو حتى تم انتخابه كرئيس للولايات المتحدة، فسوف يتساءل الأميركيون وبقية العالم لفترة طويلة عن كيفية حدوث ظاهرة دونالد ترامب. وقد بدأوا يتساءلون بالفعل.
أول شيء يجب علينا فهمه هو أن الأحزاب السياسية الأميركية لا علاقة لها بمن سيخوض الانتخابات لرئاسة الولايات المتحدة. وفي الواقع، تعتمد الأحزاب السياسية في الولايات المتحدة على مجموعة من الموظفين الذي يقومون بتنظيم عملية اختيار مرشح للرئاسة، ويعملون من أجل تحقيق انتصارات للحزب في انتخابات تشرين
 الثاني (نوفمبر).
في الحقيقة، يعمل المرشحون للرئاسة لحسابهم الخاص. ويتخذون القرار بأنفسهم، وهذا القرار يستند على شعورهم (أو ربما قراءة مؤشرات التصويت) وقدرتهم على جمع الأصوات، وما إذا كان بإمكانهم جمع الأموال اللازمة لهذه العملية.
بعض الناس يترشحون ببساطة بدافع الأنا والطمع. وبفضل الدعاية التي تميز الترشيح الرئاسي يمكن لمرشح فاشل أن يظفر بعقد لنشر كتاب، أو عرض تلفزيوني، أو الحصول على عمل كخطيب براتب جيد (أو ربما هذه الأشياء الثلاثة في نفس الوقت). وقد ترشح ترامب على أساس الشهرة. فهو قطب عقاري شهير كتب اسمه على جميع أنواع المباني، وله ثروة شخصية ضخمة، وكان نجم برنامج تلفزيوني شعبي في وقت الذروة منذ فترة طويلة، وهو يمثل حجر مغناطيس في الثقافة الشعبية الأميركية. وكان يعلم أن نظام الحزب الأميركي غامض لدرجة أنه يمكن أن يتخذ قرار ترشيحه  لمنصب الرئيس من تلقاء نفسه، وأنه لا يوجد هيكل حزب يمنعه من ذلك. (على الأقل، هذا ما يأمله، إذ من المحتمل أن يتوجه إلى مؤتمر الحزب في كليفلاند هذا الصيف من دون مندوبين كافين لتسوية الترشيح).
قام ترامب بقراءة روح العصر بشكل جيد: تلاعب بغضب الطبقة العاملة، التي تم التخلي عنها خلال التحول من الاقتصاد القائم على التصنيع إلى نظام قائم على المعلومات. وكانت هذه المجموعة الأكثر تضررا من الصفقات التجارية مثل اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية (NAFTA)، مما شجع الشركات الأميركية لنقل مصانعها إلى المكسيك، واضطر أصحاب الأعمال إلى خفض الأجور.
وجه ترامب اللوم لنافتا ووعد أنه سيعمل، كرئيس للجمهورية، على خلق صفقات تجارية أكثر ملاءمة للعمال. وفي وقت مبكر، ركز حملته على شعور مناهض للهجرة، كما أطلق حملته الدعائية من خلال نعت المهاجرين المكسيكيين "بالمغتصبين" و"القتلة".
ترتكز حملة ترامب على سمعته كرجل أعمال ناجح، على الرغم من أن نجاحه ليس واضحاً. وكانت هناك أربع حالات إفلاس في أعماله، وقد باءت بعض الشركات القائمة على علامته التجارية بالفشل. ويغضب ترامب من الأسئلة حول ما إذا كان يملك 10  مليارات دولار حقاً، على حد قوله، ويرفض الكشف عن العائدات الضريبية الخاصة به، وهي مسألة متوقعة من الطامحين للرئاسة.
على الرغم من أن ترامب ما يزال يذكر الجدار غير المنطقي الذي توعد ببنائه على طول الحدود مع المكسيك (مع إرغام المكسيك على تغطية تكلفة البناء)، فقد قام الآن بجعل التجارة قضيته الرئيسية. وليس من المصادفة أن كلا من ترامب وبيرني ساندرز، منافس هيلاري كلينتون في الفوز بترشيح الحزب الديمقراطي، قاما بمقايضة قضية رئيسية. لقد ركب كل من ترامب وساندرز ثورة الطبقة الوسطى. فقد ارتفعت البطالة في صفوف خريجي الجامعات إلى 12 ٪، ويشكل هؤلاء الدائرة الانتخابية الرئيسية لساندرز. ومن المحتمل أن معظم أتباع ترامب لم يلتحقوا بالجامعة أصلاً، وإذا ما فقدوا وظائفهم بسبب صفقات تجارية -أو اعتقدوا أن الأمر كذلك- فإنهم لم يحصلوا على إعادة التدريب الذي وُعدوا به (أو أن لديهم وظائف بأجور راكدة لعدة سنوات).
تميزت حملة ترامب منذ البداية بنفحة من الفاشية الواضحة: وصنف نفسَه بالرجل القوي الذي يقضي على الحواجز التي تحول بين أنصاره وبين التقدم. وبقوة الإرادة، سيجعل حياتهم أفضل.
وعندما قام  بعض مؤيدي ترامب في تجمع انتخابي في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي في برمنغهام بولاية ألاباما بضرب متظاهر أسود، أمرهم ترامب بضرب الرجل بقوة أكثر، وصرخ قائلا، "أبعدوه من هنا". وقد أعجبه صوته هذا كما أعجبه رد جمهوره، وكرر ترامب العبارة عدة مرات وفي مسيرات متكررة. بدلا من تجاهلهم، كما يفعل العديد من السياسيين، يلفت ترامب الانتباه إلى المتظاهرين لإظهار كيف يجيب عليهم الرجل القوي.
يشكل إشعال فتيل العنف واحدة من أدوات ترامب من أجل الحصول على السلطة. وإذا أصبح رئيس الولايات المتحدة، وهو الشيء الذي لا يمكن استبعاده في هذه المرحلة، فمما لا شك فيه أنه سيستغل العنف للحفاظ على السلطة. ولم تكن أعمال العنف التي اندلعت أثناء تجمع شيكاغو في منتصف آذار (مارس) حادثا عرضيا: الموقع الذي تم اختياره دعا لذلك. وتحمل ترامب مسؤولية إلغاء التجمع، وفهم كيفية اشتغال وسائل الإعلام، وكان مستعداً لإجراء مقابلات خلال فترة الأخبار على قنوات التلفزيون الرئيسية الثلاث، كما تمت إعادة لقطات من العنف مراراً وتكراراً.
إن مؤسسة الحزب الجمهوري المتوترة التي تحاول الآن منع ترامب من الحصول على ما يكفي من المندوبين للفوز بترشيح الحزب منقسمة على نفسها وغير فعالة لتحقيق النجاح. كما أن الجمهوريين محتارون بين قبوله ومحاولة منعه من الفوز، مع العلم أنهم إذا فعلوا ذلك، فإن أتباعه قد يثورون. وقبل أسابيع قليلة، بدأ عدد قليل من الجمهوريين بتعويد أنفسهم على فكرة أن الرئيس ترامب قد لا يكون سيئاً للغاية. لكن هذا التفكير توقف عند استمرار ترامب في تشجيع العنف. كما استنتج الجمهوريون الآخرون أن نزعته القومية وعداءه للمهاجرين، فضلا عن جهله بالشؤون العامة، تجعل منه مصدر خطر. وهم على حق في الخوف من شيء تم إطلاقه ولا أحد يستطيع وقفه.

*مساهمة منتظمة في "نيويورك ريفيو أف بوكس" وكاتبة.
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018