"الإخوان" إذ يشاركون

جميل النمري

أعلن حزب جبهة العمل الإسلامي قراره المشاركة في الانتخابات النيابية المقبلة. وهو قرار كان مرجحا، وبعكس ذلك كنا سنندهش كثيرا؛ لأن قرارا جديدا بالمقاطعة في هذه الظروف، يفتقر كليا للذكاء، وهو بمثابة قرار ذاتي بالذهاب نهائيا إلى الظلّ والاختفاء بصمت.
ليس صدفة أن القرار تم اتخاذه في "جبهة العمل الإسلامي" وليس جماعة الإخوان المسلمين التي تفتقر للترخيص الآن. وفي مؤشر إضافي على التغيير القادم، تشكلت لجنة مؤقتة لقيادة "الإخوان" من غير الشيوخ التقليديين والجيل القديم، يترأسها النائب السابق عبدالحميد ذنيبات، وعضوية شخصيات مهنية، مثل المهندس النقابي عزام الهنيدي نائبا للرئيس، والمهندس النقابي بادي رفايعة أمينا للسر. وأعلن عن تشكيل اللجنة من دون عقد اجتماعات أو انتخابات، امتثالا لواقع أن الجماعة لم تعد مرخصة قانونا، ولا تستطيع ممارسة الأنشطة الداخلية المفترضة؛ بعقد مؤتمرات وإجراء انتخابات. وكان قد تم منع الجماعة من عقد مؤتمر وإجراء انتخابات لهيئات الجماعة.
ليس واضحا تأثير مشاركة "الجبهة" على الانتخابات. وتتباين الآراء حول ثقل الإخوان الانتخابي؛ ما بين من يفترض أنهم ضعفوا كثيرا وتراجعت شعبيتهم، ومن يرى أنهم يحتفظون بزخمهم رغم الانقسامات التي طالت القيادات، ولم تقتطع شيئا مهما من قواعدهم. الحقيقة الجديدة التي ستطرأ على الانتخابات، خصوصا في عمان والزرقاء، أن الفرصة ستتقلص أمام المستقلين الذين توفرت لهم كل المقاعد في غياب "الإخوان"، إذ إن عددا أقل منها سيتوفر لهم، وستكون كلفتها أعلى بعدد الأصوات. من جهة أخرى، فإن النظام الانتخابي "التمثيل النسبي للقوائم"، سيقيد نسبة ما سيحصل عليه التيار الإسلامي، وسيمكن الآخرين من تجميع أصوات مجموعة من المرشحين معا لحجز مقعد واحد. وفي الواقع أن أثر هذا القانون هو نفس أثر "الصوت الواحد"، مع ميزة التجميع. ففي السابق، كانت نسبة الأصوات المهدورة للخاسرين تصل إلى 70 % من أصوات الناخبين. أما الآن، فإن خمسة مرشحين من الذين متوسط أصوات كل واحد منهم 3 آلاف صوت، ومتوقع حتما رسوبهم في الانتخابات السابقة، يتحدون في قائمة تحصل على 15 ألف صوت، وتحجز مقعدا بكل تأكيد يذهب لصاحب أعلى الأصوات بينهم.
هناك سجال حول عدد المقاعد التي سيحصل عليها "الإخوان" في الانتخابات، تذهب من 10 مقاعد إلى 20 مقعدا. ولا أرى ذلك مهماً؛ فماذا يعني 20 مقعدا وأكثر من أصل 130 مقعداً؟ وبالعكس، فوجودهم بعدد جيد يثري مجلس النواب ويقوي الأداء. وفي تقديري لو تم الأخذ بمقترحنا لنظام تناسب أعلى الأصوات أو العتبة، بدل نظام أعلى البواقي السقيم، لما حصل "الإخوان" في كل الأحوال على أكثر من عشرين مقعدا.
من جهة أخرى، لا يمكن المغامرة بتوقعات بالنسبة للفئات الأخرى المنشقة عن الإخوان؛ مثل زمزم (د. رحيل غرايبة) والجمعية (د. عبدالمجيد ذنيبات) والحكماء (د. عبداللطيف عربيات)، والتي لم يتضح قرارها. ولعلها تخشى من هذا الامتحان لشعبيتها، وهي لا تملك القدرات التنظيمية والمالية للإخوان. وهذه الفئات قد تشارك فرديا. وهناك أيضا حزب الوسط الإسلامي الذي حقق نتائج قوية في القوائم الوطنية، لكن في النظام الجديد كل شيء سيعتمد على طبيعة مرشحي الحزب وثقلهم الاجتماعي في دوائرهم، وليس ثقل الحزب السياسي.
مشاركة حزب جبهة العمل الإسلامي هي خطوة في الاتجاه الصحيح لتطبيع العلاقة مع الدولة، ورسالة حول التوجهات الجديدة المعتدلة. لكن يجب القول إن المسألة أعمق من خيار تكتيكي معين إزاء الدولة. وسننتظر الأداء السياسي والإعلامي في الانتخابات، لنرى حجم التغيير في خطابهم الموجه للشعب، وليس لأصحاب القرار في البلد.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018