ترجمات

المديونية كانت المدخل إلى استعمار مصر

إيريك توسان* – (أوريان 21) 12/7/2016

على غرار ما حدث في تونس، شكلت المديونية المصرية في نهاية القرن التاسع عشر سلاحاً حاسماً للتدخل المباشر للقوى الأوروبية. وأدت إلى وضع مصر تحت الوصاية ثم إلى قيام بريطانيا باحتلالها في العام 1882.

  • * *
    كانت مصر ما تزال تحت الحكم العثماني حين باشرت، في النصف الأول من القرن التاسع عشر، ببذل جهود هائلة لتحديث البلاد وتطوير الصناعة. وقد لخص جورج قرم المسألة كما يلي: “بطبيعة الحال، قام محمد علي في مصر بأهم مبادرة حين أنشأ مصانع تابعة للدولة، واضعا ًبذلك أسساً لرأسمالية الدولة، والتي تذكر بلا شك بتجربة الميجي اليابانية”. وقد استمر هذا الجهد الصناعي طوال النصف الأول من القرن التاسع عشر من دون اللجوء إلى القروض الخارجية. أعطيت الأولوية لاستنهاض الموارد الداخلية. في 1839-1840، وعلى إثر حملة عسكرية مشتركة بقيادة المملكة المتحدة وفرنسا، تلاها بعد ذلك هجوم ثان شنته المملكة المتحدة والمملكة النمساوية-المجرية، اضطر محمد علي والي مصر إلى التخلي عن سورية وفلسطين اللتين كانتا موضع اهتمام عال لدى بريطانيا وفرنسا.
    في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، تغيرت الأمور جذرياً. اعتمد خلفاء محمد علي نهج التبادل الحر تحت ضغط المملكة المتحدة، وبدؤوا بتفكيك احتكارات الدولة، واتجهوا بلهفة نحو القروض الخارجية. وكان ذلك بداية النهاية، ودخلت مصر في حقبة المديونية، فتم تسليم البنى التحتية المصرية للقوى الأوروبية، ولمصرفيين أوروبيين ومقاولين عديمي الضمير.
    في فترة 1850-1876، قام مصرفيو لندن وباريس ومراكز مصرفية أخرى بالبحث عن فرص لاستثمار رؤوس أموالهم، في مصر وسائر أقطار الإمبراطورية العثمانية وفي أماكن أخرى. وفي مرحلة أولى، بدأ النموذج المبني على التبادل الحر سائراً على خير ما يرام. إلا أن عوامل خارجية لا تستطيع السلطات المصرية التحكم بها كانت سبب ذلك النجاح الظاهري، مثل الحرب الأهلية في أميركا الشمالية التي أدت إلى انخفاض الصادرات الأميركية من القطنيات، وكانت حينها الأولى في العالم في هذا المضمار. وأدى ذلك إلى ارتفاع كبير في سعر القطن في السوق العالمي. وارتفعت عائدات الصادرات المصرية من القطن بشكل خيالي، ما دفع اسماعيل باشا إلى قبول قروض بمبالغ طائلة من البنوك (الفرنسية والبريطانية خاصة). وفي نهاية الحرب الأهلية في شمال أميركا، استعادت الصادرات الأميركية تدفقها وانهار سعر القطن.
    إلا أن مصر كانت تعتمد على العائدات بالعملة الأجنبية التي كانت تجنيها من بيع القطن، لا سيما لمصانع الأقمشة البريطانية لتسديد ديونها.
    ثلاثون عاماً من القروض التي يستحيل تسديدها
    في العام 1876، بلغت المديونية المصرية 68.5 مليون ليرة إسترليني (مقابل 3 ملايين في العام 1863). وبلغت خدمة الدين ثلثي مدخول الدولة ونصف مردود الصادرات. وقلت المبالغ التي تدخل خزنة الدولة، في حين واصلت البنوك بالمطالبة وبقبض مبالغ طائلة. ولنأخذ قرض العام 1862 على سبيل المثال: تصدر البنوك سندات مصرية بقيمة إسمية قدرها 3.3 مليون ليرة، وتبيعها بـ83 % من قيمتها الإسمية. وتقبض مصر 2.5 مليون ليرة، وتقتطع منها عمولة البنوك. ويتوجب على مصر تسديد مبلغ 8 ملايين تقريباً على مدى 30 عاما، إذا أخذنا بعين الاعتبار استهلاك رأس المال ودفع الفوائد.
    وهناك مثل آخر هو قرض العام 1873: تصدر البنوك الأوروبية مستندات بقيمة اسمية قدرها 32 ليرة استرليني، وتبيع هذه المستندات مع حسم
    30 % من قيمة شرائها. وعليه، لا تستلم مصر سوى 20 مليون ليرة تقريباً. ويرتفع المبلغ المتوجب تسديده إلى 77 مليون ليرة إسترليني (الفائدة الفعلية 11 %، علاوة عن استهلاك رأس المال).
    وهكذا، يثقل الدَّين وتتزايد الفوائد المطلوبة بشكل لا يمكن تحمله. كانت الشروط المصرفية التي تفرضها البنوك تجعل التسديد مستحيلاً، وهو ما جعل مصر مضطرة دائماً إلى الاستدانة لتسديد ما عليها من مدفوعات وخدمة ديونها السابقة.
    وفي العام 1875، كانت مصر على وشك الإفلاس فتخلت عن حصتها في قناة السويس التي تم افتتاحها في العام 1869. أما المبلغ الذي تمت جبايته حين باعت مصر إلى بريطانيا 176.602 سهم “سويس” التي كانت تملكها، أي ما يعادل نصف رأسمال شركة السويس، فأسهم في نهاية تشرين الثاني (نوفمبر) بدفع قسطي دين شهري كانون الأول (ديسمبر) 1875 وكانون الثاني (يناير) 1876، اللذين كانا مرتفعين جداً.
    في النهاية، ورغم الجهود اليائسة التي بذلتها مصر لتسديد مديونيتها، فقد اضطرت إلى التوقف عن الدفع في العام 1876. ومن الجدير بالذكر أن دول الإمبراطورية العثمانية والبيرو (وكان اقتصاد البيرو حينها من الأهم في أميركا الجنوبية) والأوروغواي، كانت قد أعلنت إفلاسها في العام نفسه. وكانت الأزمة البنكية التي اندلعت في العام 1873 في نيويورك وفرانكفورت وبرلين وفيينا، وأثرت شيئاً فشيئاً على لندن، قد قوضت الجهوزية لإقراض الدول المحيطة التي كانت بحاجة دائمة للاستدانة من أجل تسديد ديونها السابقة.
    اتفاقيات ضمنية
    بين لندن وباريس وبرلين
    اتفقت باريس ولندن، رغم المنافسة بين العاصمتين، على وضع مصر تحت وصايتهما من خلال صندوق الدَّين، وسيكون دوره هو التحكم في جزء من الضرائب تحت إدارة بريطانيا وفرنسا. وترافق إنشاء الصندوق مع إعادة هيكلة الدَّين المصري، وهو ما أرضى البنوك، إذ إن إعادة الهيكلة تلك لا تتضمن أي حسم للأصول المالية. وتم تحديد سقف الفائدة عالياً بنسبة 7 % وتحديد مدة التسديد بـ65 عاما.
    هكذا تم تأمين مداخيل مريحة للموفرين الأوروبيين، تضمنها فرنسا، والمملكة المتحدة، وعائدات الدولة المصرية التي يقتطع صندوق الدين جزءاً منها.
    كانت بريطانيا في ذلك الحين أهم قوة أوروبية ودولية، وكان هدفها هو السيطرة على شرق البحر المتوسط. وقد ازدادت أهمية المتوسط بحكم افتتاح قناة السويس، ما يؤمن لبريطانيا طريقاً مباشراً إلى الهند وآسيا. كما أن بريطانيا تود تهميش فرنسا التي تمارس سلطة فعلية في مصر من خلال البنوك وقناة السويس الذي تم إنشاؤها بأموال بورصة باريس. وكي تضمن بريطانيا موافقة فرنسا على التنازل لصالح بريطانيا، رأت أن تلبي بدايةً مصالح المصرفيين الفرنسيين المرتبطين جداً بسلطات بلدهم السياسية، وتعرض تعويضهم في بلد آخر من بلاد البحر المتوسط. وهنا يدخل اتفاق ضمني بين لندن وباريس: مصر من حصة بريطانيا، وتونس من حصة فرنسا. ولم يكن هذا الجدول الزمني لتقسيم النفوذ محدداً بين 1876 و1878، لكنّ تلك كانت الوجهة الواضحة.
    تحت السيطرة البريطانية
    لم يكن حسم مستقبل مصر وتونس محصوراً بريطانيا وفرنسا وحسب. كانت لألمانيا كلمة لتقولها، وقد توحدت وبدأ نجمها يصعد إلى جانب المملكة المتحدة. وصرح المستشار الألماني أتو فون بيسمارك Otto Von Bismark في مناسبات عدة خلال نقاشات دبلوماسية سرية، أنه لا يرى ضيراً في أن تسيطر لندن على مصر وفرنسا على تونس، إذا ترك لبلده مجال التحرك في مناطق أخرى في العالم. وبكلمات أخرى، أشّر مصير تونس ومصر على تقاسم إفريقيا بين القوى الغربية، الذي سيتم الاتفاق عليه في مؤتمر آخر في برلين في العام 1885.
    في الحالة المصرية والتونسية، شكل الدَّين سلاحاً قوياً استعملته القوى الأوروبية لتأمين هيمنتها، حيث توصلت إلى تركيع بلدين كانا يتمتعان باستقلالية فعلية. وكان صندوق الدين العام يفرض على مصر تدابير تقشف لم تحظ بالشعبية، وأدت إلى عصيان عسكري. ودافع الجنرال أحمد عرابي عن مواقف وطنية مناهضىة لإملاءات القوى الأوروبية. وأخذت بريطانيا وفرنسا ذلك ذريعة لإرسال فرقة عسكرية إلى الإسكندرية في العام 1882. ودخلت بريطانيا في حرب ضد الجيش المصري وفرضت على البلد احتلالاً دائماً وحولته إلى محمية. وأصبحت التنمية في مصر تحت رحمة المصالح البريطانية. وكما كتبت روزا لوكسمبورغ في العام 1913، فإن “الاقتصاد المصري ابتلع معظمه رأس المال الأوروبي. وفي النهاية، تحولت مساحات شاسعة من الأراضي، وقوة هائلة من اليد العاملة، وكمية من المنتجات المحولة للدولة على شكل ضرائب، إلى رأسمال أوروبي تم تكديسه”.
    لم يلغَ صندوق الدين العام إلا في تموز (يوليو) من العام 1940. ومدد الاتفاق الموقع بين مصر والمملكة المتحدة في العام 1940 الهيمنة المالية والاستعمارية، وحصلت لندن على المثابرة في تسديد دين أصبح أبدياً. ولم يتغير الوضع العام إلا في العام 1952 مع الانقلاب الذي قاده جمال عبد الناصر وإنهاء الحكم الملكي وتأميم قناة السويس، في 26 تموز (يوليو) من العام 1956. وعلى مدى خمسة عشر عاماً، استطاعت مصر النهوض في محاولة لتنمية اقتصاد مستقل نسبياً.

*أستاذ في جامعة لياج، بلجيكا

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock