ترجمات

تداعيات مقتل سليماني على الخلافة الإيرانية

مهدي خلجي* – (معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى) 23/1/2020

اعتبرت شريحة كبيرة من المجتمع الإيراني سليماني بطلاً، على الرغم من أنه كان يقول صراحة إنه ليس شخصية قومية وإنما جندي في خدمة الإسلام والنظام. ويُعدّ لقب “البطل القومي” الذي غالباً ما وُصف به لقباً نادراً في اللغة الفارسية، والذي لا يُعطى إلا لشخصيات في الملاحم وعلم الأساطير الفارسي وليس لمسؤولين عسكريين معاصرين. ومن هذا المنطلق، أصبح سليماني مقدساً من الناحية الإيديولوجية بقدر خامنئي نفسه تقريباً. ولم يكن مسموحاً انتقاد سجله أو دوره علناً، كما مالت نخبة النظام إلى التحدث عنه باحترام، وحتى بمحبة، بغض النظر عن انتماءاتها الفصائلية. فبنظرهم، كان سليماني يتمتع بالمقومات الضرورية لتسهيل عملية صنع القرار والتوصل إلى تفاهم وإجماع في وقت الأزمات -وهو شخصية لا مثيل لها يتمتع بسلطة وحكمة كان سيقبلها من دون أدنى شك أقرانه العسكريون، والنخبة السياسية وجزء كبير من الشعب.

  • * *
    بعد اغتيال قاسم سليماني، انصبّ التركيز بشكل كبير على العميات الخارجية التي ينفذها فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإسلامي الإيراني. غير أن الفيلق كان يلعب دوراً بارزاً في الداخل أيضاً، لكن مستقبله لم يعد واضحاً حالياً. وعلى وجه الخصوص، كان سليماني نفسه في موقع جيد يخوله لأن يكون شخصية جامعة توفر الاستقرار بمجرد أن تواجه إيران التحدي المتمثل في تعيين خلف للمرشد الأعلى للبلاد، آية الله علي خامنئي.
    سليماني كجندي مثالي لخامنئي
    في نظر المرشد الأعلى، كان سليماني مثالاً يحتذى به للطريقة التي ينبغي لقائد عسكري أن يتصرف بها مهنياً وسياسياً. ولم يكن خامنئي يثق بأي قائد بارز آخر، وهذه حقيقة كانت واضحة في المعاملة التفضيلية التي كانت تمنح لسليماني في كثير من الأحيان.
    على سبيل المثال، عندما استلم خامنئي السلطة في العام 1989، اعتمد سياسة جديدة تقوم على تحديد مدة الخدمة الفعلية في المراكز العسكرية والسياسية، بما في ذلك المنصب الأعلى في الحرس الثوري الإيراني الذي تمّ تحديده بعشرة أعوام. ولم يكن خامنئي يُعد خلفاً طبيعياً لروح الله الخميني، وقد افتقر إلى المؤهلات الدينية والجاذبية التي كان يتمتع بها القائد المؤسس، ولذلك كانت إعادة تشكيل التسلسل الهرمي العسكري بحذر بين الحين والآخر وسيلة بديلة لتوطيد سلطته وترسيخها. وحتى اليوم، في وقت أصبح يتمتع فيه بصلاحية شبه مطلقة، يسهم تناوب المراكز بين العناصر من ذوي الرتب العليا والمتوسطة في منع القادة من تشكيل دوائر سلطة وتحالفات خاصة بهم. غير أن سليماني شكّل حالة استثنائية لهذه القيود المفروضة على مدة الولاية، ويُعزى ذلك جزئياً إلى أنه كان ينحدر من مجموعة صغيرة من قادة الحرس الثوري الذين كانوا مقربين من خامنئي أكثر من خصومه خلال المرحلة الانتقالية بعد وفاة آية الله الخميني. وفي أعقاب تعيين سليماني كقائد لفيلق القدس في العام 1997، بقي في هذا المنصب إلى حين مقتله بعد أكثر من عشرين عاماً.
    لم يكتسب سليماني مكانته المميزة هذه فقط بسبب ولائه لخامنئي منذ البداية وإنجازاته العسكرية اللاحقة. فبخلاف الأغلبية الساحقة من ضباط الحرس الثوري الإيراني، تجنّب أيضاً الانخراط في الأنشطة الاقتصادية والسياسية، وبدلاً من ذلك عاش حياة متدينة بحتة. وبفضل هذه السمات كان محبباً إلى خامنئي الذي غالباً ما أشار إلى الجنرال وفيلق القدس الذي يرأسه على أنهما دليل على أن استراتيجية “المقاومة” كانت فعالة أكثر من المقاربة الدبلوماسية التي يفضلها الرؤساء الإيرانيون. وتميز سليماني بانتهاج هذه الاستراتيجية من دون الإدلاء بتصريحات علنية، سواء أكانت داعمة للسياسات المتشددة أو مناهضة لمسؤولين منشقين، حتى خلال الدورات الانتخابية الساخنة. وتعذّر على مراكز القوة النافذة التأثير عليه، فكان يتلقى الأوامر مباشرة من المرشد الأعلى وكان مسؤولاً أمامه فقط، ولذلك لم يكن مهتماً بما أراده رؤساء البلاد أو المسؤولين الآخرين. وكان الشخص الوحيد الذي كرّر ولاءه المطلق له بفخر وبشكل متكرر هو خامنئي. وفي المقابل، غالباً ما وصف المرشد الأعلى شخصية سليماني وخدمته بصفات لم تُستخدم لوصف أي قائد آخر.
    تجسّدت هذه العلاقة المتبادلة أيضاً بالطريقة التي توليا بها إدارة السياسة الإقليمية. ففي أوائل العام 2019، على سبيل المثال، رافق أفراد من فيلق القدس الرئيس السوري بشار الأسد من دمشق إلى مكتب خامنئي في طهران من دون علم مسبق من الحكومة. ورد وزير الخارجية محمد جواد ظريف بغضب على استبعاده من الاجتماع وعرض استقالته، ولكن تمّ رفضها. حتى أن الرئيس حسن روحاني نفسه استُبعد من أجزاء من الاجتماع، وفي المقابل، جلس سليماني ورفاقه إلى جانب خامنئي طيلة فترة المحادثات حيث أشاد به المرشد الأعلى والرئيس السوري وأغدقا عليه المدح.
    بالإضافة إلى ذلك، وبفضل الحملة الدعائية التي تشنها الدولة والتغطية الإعلامية الغربية، اعتبرت شريحة كبيرة من المجتمع الإيراني سليماني بطلاً، على الرغم من أنه كان يقول صراحة أنه ليس شخصية قومية وإنما جندي في خدمة الإسلام والنظام. ويُعدّ لقب “البطل القومي” الذي غالباً ما وُصف به لقباً نادراً في اللغة الفارسية، والذي لا يُعطى إلا لشخصيات في الملاحم وعلم الأساطير الفارسي وليس لمسؤولين عسكريين معاصرين. ومن هذا المنطلق، أصبح سليماني مقدساً من الناحية الإيديولوجية بقدر خامنئي نفسه تقريباً. ولم يكن مسموحاً انتقاد سجله أو دوره علناً، كما مالت نخبة النظام إلى التحدث عنه باحترام، وحتى بمحبة، بغض النظر عن انتماءاتها الفصائلية. فبنظرهم، كان سليماني يتمتع بالمقومات الضرورية لتسهيل عملية صنع القرار والتوصل إلى تفاهم وإجماع في وقت الأزمات -وهو شخصية لا مثيل لها يتمتع بسلطة وحكمة كان سيقبلها من دون أدنى شك أقرانه العسكريون، والنخبة السياسية وجزء كبير من الشعب.
    وتم تعزيز هذه السمعة في الأعوام الأخيرة كلما تمّ تكليف فيلق القدس بالاضطلاع بدور أكبر على الساحة المحلية. وعلى سبيل المثال، بعد عجز الحكومة عن التعامل بفعالية مع أزمة الفيضانات التي ضربت البلاد العام الماضي، تدخلت قوات سليماني لتوفير الإغاثة. ونظراً إلى وصفه هذه القوة بأنها هيئة وطنية مكلفة بالعديد من المهام العسكرية وغير العسكرية، سيكون من المثير للاهتمام رؤية ما إذا كانت القيادة الجديدة تشعر مضطرة إلى إعادة توضيع التنظيم وكيف.
    يُعد محمد حسي-زاده حجازي، النائب الجديد لقائد فيلق القدس شخصية تُجسد هذه المعضلة. فقبل انضمامه إلى فيلق القدس، كان له دور مهم في تحويل ميليشيا “الباسيج” إلى قوة قمعية عملت على قمع احتجاجات “الحركة الخضراء” بوحشية في العام 2009. وعلى الرغم من توليه أدواراً خارجية منذ ذلك الحين، إلا أن خلفيته الإجمالية تتركز بشكل كبير على الأمن الداخلي. ويُذكر أن فيلق القدس بقي عموماً خارج مساعي النظام الرامية إلى قمع الاضطرابات التي شهدتها إيران في الآونة الأخيرة، مثل مقتل المئات بسبب احتجاجهم على رفع أسعار البنزين. ونتيجةً لذلك، تلقى “الفيلق” بعض اللوم بسبب هذا القمع، لكن ذلك قد يتغير.
    الخلافة تحتاج إلى شخصية تحافظ على الاستقرار
    إن آيات الله الثمانية والثمانين الذين يشكلون “مجلس الخبراء” الإيراني مكلفون بموجب الدستور بتعيين خلف للمرشد الأعلى، لكن هذه المؤسسة تُعرف باعتمادها على جهات فاعلة من خارجها، ولا سيما الحرس الثوري الإيراني. وعادةً ما يفوز الأعضاء في انتخابات المجلس بدعم مباشر وتمويل من عناصر الحرس الثوري، كما أن علاقاتهم بالأجهزة العسكرية-الأمنية أقوى بكثير من جذورهم في المؤسسة الدينية. وبالتالي، لا بدّ من اتخاذ القرار الفعلي بشأن خلف خامنئي المحتمل خارج المجلس.
    يجعل موت سليماني هذا الوضع أكثر تعقيداً؛ إذ لطالما استبدل خامنئي الولاء لإيديولوجيا النظام بعبادة لشخصه على مرّ السنين. وإذا كان سيغادر الساحة السياسية قريباً، فلن يكون للنخبة المقسّمة إلى عدة فصائل -بما فيها الحرس الثوري الإيراني- سلطة محورية يمكن أن ترسي عليها أساساً جديداً للوحدة الداخلية والشرعية المحلية، مما سيطرح خطراً وجودياً على النظام ككل.
    المفارقة هي أن خامنئي هو “رجل المؤسسات” الذي يؤمن بالبيروقراطية الحديثة غير المحدودة من أجل إضعاف دور الجهات الفاعلة من الأفراد. ومع ذلك، فإن تركيزه على دعم مجموعة من المؤسسات لا يهدف إلى تمكين هيكليات الحكومة الديمقراطية، بل إلى إضعاف إمكانية إقامة تحالفات مستقلة ومؤسسات ديمقراطية قوية. واليوم، من الشائع أن يتم تكليف مؤسسات إيرانية بمهام متداخلة مع عدم وجود خيارات للتنسيق مع بعضها البعض أو اعتبار نفسها مسؤولة أمام أي سلطة غير المرشد الأعلى. ويساعد هذا التصميم خامنئي على عزل سلطته عن أي تهديدات محلية، سواء من النخبة أو من الشعب، مما يسمح له بالتمتع بصلاحية قصوى -ولكن مع الحد الأدنى من المسؤولية عندما تسوء الأمور.
    وأخيراً، يبدو خطر تركيز الكثير من السلطة بيد خامنئي واضحاً تماماً: ما الذي سيحصل عند رحيله؟ كان سليماني يمثّل سلطة بديلة لا تضاهى، وكان شخصاً منح خامنئي على الأرجح راحة البال والاطمئنان إلى أن النظام قد يحافظ على استقراره متى حان موعد المرحلة الانتقالية. وحتى الأنظمة الاستبدادية تستفيد من وجود مثل صمامات الأمان هذه -شخصيات يمكنها تقديم التوجيه خلال أوقات الأزمات وتتوقع الالتزام به من دون اللجوء إلى التدابير القسرية. والآن يبدو أن آفاق الخلافة مقلقة على نحو أكبر بالنسبة لطهران، كما أن مستقبل النظام أقل يقيناً.

*زميل “ليبيتزكي فاميلي” في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock