ترجمات

سياسات واشنطن مكّنت التطرف الإسرائيلي

خالد الجندي* – (فورين بوليسي) 6/5/2021

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

منذ نحو أسبوعين، هزت أعمال العنف مدينة القدس عندما انتشرت مجموعات من المتطرفين اليهود الإسرائيليين في الأحياء الفلسطينية في القدس الشرقية وهم يهتفون “الموت للعرب”. وبينما يشقون طريقهم عبر المدينة، رشق هؤلاء الغوغاء منازل الفلسطينيين بالحجارة واعتدوا على المارة المشتبه في كونهم عربًا أو يساريين، حتى أنهم أوقفوا السيارات على طول الطريق الرئيسي بين الشمال والجنوب الذي يفصل القدس الغربية الإسرائيلية عن القدس الشرقية المحتلة للتحقق مما إذا كان السائقون يهودًا أم عربًا، وعادة ما يخضع الأخيرون للضرب العشوائي.
بدأت الاضطرابات في 13 نيسان (أبريل) -في بداية شهر رمضان- عندما أغلقت السلطات الإسرائيلية الدرجات المؤدية إلى “باب العامود” الشهير في المدينة القديمة في القدس الشرقية. وأثارت الخطوة التعسفية على ما يبدو اشتباكات استمرت أياما عدة بين المتظاهرين الفلسطينيين وقوات الأمن الإسرائيلية. وقد ضرب الإغلاق على عصب خاص لدى الفلسطينيين في القدس الشرقية، الذين تعرضوا لسنوات للتهميش ونزع حق المواطنة على يد الحكومة الإسرائيلية، ولم يتبق لهم سوى القليل من المساحات في مدينة كان القضاء المنهجي على المؤسسات الوطنية والمدنية والثقافية الفلسطينية فيها سياسة واضحة للحكومة.
كانت حملة الشرطة، على نحو غير مستغرب، أحادية الجانب -حيث أدت إلى اعتقال وضرب العديد من الشبان الفلسطينيين بينما ظل المهاجمون اليهود بلا محاسبة إلى حد كبير. وأدان وزير الأمن العام الإسرائيلي، أمير أوهانا -وعضو حزب الليكود الذي يتزعمه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو- الهجمات التي يشنها الفلسطينيون على اليهود، لكنه لم يشر أبداً إلى قيام المتطرفين الإسرائيليين اليهود بمهاجمة الفلسطينيين في القدس. وتذكرنا هذه المشاهد بموجة الهجمات التي شنها مستوطنون إسرائيليون يهود متطرفون في وقت سابق من هذا العام على الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، والتي وقف الجنود الإسرائيليون خلالها في كثير من الأحيان على الخطوط الجانبية دون أن يحركوا ساكناً.
كان رد فعل واشنطن على العنف هو الصمت بطريقة توجب الملاحظة. وبينما كان المتطرفون الإسرائيليون اليهود يهاجمون الفلسطينيين في القدس، أصدرت وزارة الخارجية الأميركية بيانًا عامًا اعتمد صيغة لوم الجانبين -رافضًا “خطاب المتظاهرين المتطرفين الذين يرددون شعارات بغيضة وعنيفة” وداعياً إلى الهدوء– لكنه فشل في تحديد هوية هؤلاء المتطرفين أو أهدافهم. وكان من المدهش بالمقدار نفسه أن أي عضو في الكونغرس لم يستطع أن يحشد حتى لإدانة عامة للعنف الذي يرتكبه متطرفون يهود إسرائيليون، خاصة بالنظر إلى ارتفاع صوت الكونغرس تقليدياً عندما يأتي العنف من جانب الفلسطينيين. لكن أياً من هذا لم يكن مفاجئاً. في الواقع، ما تزال واشنطن تنكر بشدة الاتجاه المتنامي للتطرف في السياسة والمجتمع الإسرائيليين -وهو موقف مكنّ هذا الاتجاه وأججه على حد سواء.

  • * *
    كان المحرضون الرئيسيون للغوغاء المتطرفين في القدس هم أعضاء “ليهافا” -وهي منظمة يهودية متعصبة ازداد نشاطها في العقد الماضي. وبعد تحريض من عضوي الكنيست المتطرفين إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش من حزب “عوتسما يهوديت” (القوة اليهودية) و”حزب الصهيونية الدينية”، على التوالي، نزل أعضاء عصابة “ليهافا” إلى الشوارع، لما يقولون إنه “لاستعادة الكرامة اليهودية” من خلال مهاجمة العرب واليهود اليساريين.
    ويستمد كل من “ليهافا” و”عوتسما يهوديت” إلهامهما من تعاليم مئير كهانا، الحاخام المتطرف المولود في بروكلين في الولايات المتحدة، والذي تحول إلى سياسي إسرائيلي، ودعا، من بين أمور أخرى، إلى طرد الفلسطينيين من إسرائيل. وقبل اغتياله في العام 1990، تم حظر حزب كاهانا السياسي -المعروف باسم “كاخ”- وفروعه المختلفة في إسرائيل بسبب تحريضه على العنصرية، وصنفته وزارة الخارجية الأميركية ضمن “المنظمات الإرهابية الأجنبية”.
    وربما أن الأسوأ لم يأت بعد. فقد خطط متطرفون إسرائيليون يهود للقيام بأعمالهم الاستفزازية السنوية في “يوم القدس” في المسجد الأقصى يوم الأحد الذي يصادف ليلة القدر -أقدس ليلة في التقويم الإسلامي. وكان من المتوقع أن يظهر ما يصل إلى 25.000 من المشاركين في المسيرات في الموقع المقدس، حيث تتجمع أعداد كبيرة من المصلين الفلسطينيين المسلمين في الأيام الأخيرة من شهر رمضان.
    كانت السياسة الإسرائيلية تتحول باطراد إلى اليمين منذ العديد من السنوات، وهو اتجاه أصبح أكثر وضوحًا مع كل جولة جديدة من الانتخابات. ولولا النفوذ الاستقطابي لنتنياهو نفسه، لكانت في الكنيست الحالي أغلبية يمينية صلبة لا تقل عن 72 مقعدًا من أصل 120 مقعدًا. وقد زادت حقيقة أن إسرائيل ظلت. في مزاج انتخابي دائم خلال العامين الماضيين -بينما يكافح نتنياهو من أجل حياته السياسية- من سيطرة اليمين على السياسة الإسرائيلية فحسب.
    في كل من واشنطن وإسرائيل، ترى الفكرة السائدة أن اليسار الإسرائيلي قُضي عليه بسبب العنف الكثيف للانتفاضة الثانية، الانتفاضة الفلسطينية التي استمرت من العام 2000 إلى أوائل العام 2005. لكن صعود اليمين الإسرائيلي كان قيد التكوين منذ فترة طويلة جداً.
    منذ أن عاد نتنياهو إلى السلطة في العام 2009 بعد فترة قضاها كرئيس للوزراء في التسعينيات، تحركت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بثبات نحو اليمين، حيث أصبح رئيس الوزراء الإسرائيلي المحاصر يعتمد أكثر فأكثر على التأثير المتزايد لأحزاب اليمين المتطرف والمؤيدة للاستيطان من أجل الحفاظ على ائتلافه الحاكم. وفي الواقع، كان نتنياهو نفسه هو الذي توسط في الصفقات التي أعادت الكاهانيين المحظورين في السابق إلى الكنيست في العامين 2019 و2021. وهكذا، أصبح المتطرفون الذين كانوا في يوم من الأيام على هامش السياسة الإسرائيلية في مناصب السلطة، في الكنيست والحكومة على حد سواء.
    ويذهب الرأي العام الإسرائيلي في اتجاهات مماثلة أيضاً. وقد أظهر استطلاع أجراه مركز “بيو” للأبحاث في العام 2016 أن 48 بالمائة من اليهود الإسرائيليين يوافقون على عبارة “يجب طرد العرب أو نقلهم من إسرائيل”. وكان التأييد مرتفعاً بشكل خاص بين اليهود الأرثوذكس (71 في المائة)، والمتدينين (59 في المائة). وتنعكس هذه اللا-ليبرالية المتزايدة أيضًا في إقرار قانون الدولة القومية للعام 2018، وهو إجراء شبه دستوري ينص على أن الحق في تقرير المصير في إسرائيل يخص اليهود فقط -وهو ما يكرّس مكانة 1.2 مليون فلسطيني في إسرائيل باعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية، ناهيك عن 4.5 مليون فلسطيني يعيشون تحت الحكم الإسرائيلي في الأراضي المحتلة من دون أي حقوق مدنية أو سياسية على الإطلاق.
    كان العنف الأخير في القدس مجرد تذكير أخير فقط بأن لهذه السياسات عواقب في الحياة الواقعية. في عهد نتنياهو، تضخم عدد سكان المستوطنات الإسرائيلية من 490 ألف مستوطن إلى أكثر من 700 ألف في السنوات الـ12 الماضية. وتُسارع الحكومات اليمينية المتعاقبة الملتزمة بحلم “إسرائيل الكبرى” إلى إغلاق فرص التوصل إلى حل الدولتين المتفاوض عليه، وتوطيد واقع الدولة الواحدة القائم بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط -وهو احتمال ينطوي على الحكم الإسرائيلي الدائم لخمسة ملايين فلسطيني من عديمي الجنسية والمحرومين من الحقوق، وهو ما دفع منظمات حقوق الإنسان الإسرائيلية والدولية إلى استنتاج أن إسرائيل مذنبة بممارسة الفصل العنصري.
    وفي الوقت نفسه، أصبحت مشاريع كانت تعد في السابق خطوطًا حمراء، مثل ما تسمى بمستوطنات “يوم القيامة” في القدس وإزالة مجتمعات عربية بأكملها في القدس وأجزاء من الضفة الغربية، تتقدم الآن على قدم وساق. وفي بداية أيار (مايو)، تم إجبار حوالي 87 فلسطينيًا من 18 عائلة على مغادرة منازلهم في حي الشيخ جراح في القدس الشرقية، ما أدى إلى جولة أخرى من العنف يستغلها المتطرفون الإسرائيليون مرة أخرى. وبينما أدان المسؤولون الأوروبيون والبريطانيون عمليات الإخلاء الوشيكة، التزمت إدارة بايدن الصمت إزاءها بوضوح.
  • * *
    ربما كانت مثل هذه الإجراءات ستثير توبيخًا خفيفًا على الأقل من قبل المسؤولين الأميركيين في فترة ما قبل ترامب، لكن البيت الأبيض الحالي يعطي عمليات الإخلاء الضوء الأخضر فعلياً، من خلال اتخاذ موقف المتفرج. وفي الواقع، لطالما كانت الولايات المتحدة مركزية في نمو وصعود اليمين الإسرائيلي المؤيد للاستيطان والمناهض للفلسطينيين.
    ولد كاهانا والحركة التي أنجبها وترعرعا في الولايات المتحدة، وكذلك كان حال أشهر تلاميذ كهانا، باروخ غولدشتاين -الطبيب المولود في بروكلين الذي قام في العام 1994 بقتل 29 فلسطينيًا كانوا يصلون في المسجد الإبراهيمي في الخليل، فلسطين، والذي تُعرض صورته بشكل بارز في منزل بن غفير. واليوم، ترتبط حركة “ليهافا” -التي ما يزال تمويلها محاطاً بالغموض- بالمثل بشبكات دعم في الولايات المتحدة. ومع ذلك، وعلى الرغم من الروابط الشخصية والمؤسسية والمالية القوية بين “عوتسما يهوديت” و”ليهافا” والحركة الكاهانية، فقد تمكنت كلتا المجموعتين حتى الآن من تفادي أي تدقيق جاد تقوم به سلطات إنفاذ القانون الأميركية.
    على الرغم من أن الاتجاهات السياسية الإسرائيلية كانت تنعكس دائمًا في السياسة الأميركية المحلية، إلا أن التآزر المتزايد بين اليمين المتطرف الإسرائيلي واليمين الأميركي ظل قوياً بشكل خاص. ولم يكن هذا أكثر وضوحًا في أي وقت مما كان خلال فترة إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، التي عملت جاهدة للتخلص من الأعراف الدولية وتعزيز استمرار احتلال إسرائيل للضفة الغربية وتوسيع مستوطناتها هناك.
    على سبيل المثال، لم يخفِ السفير الأميركي السابق لدى إسرائيل، ديفيد فريدمان -وهو مهندس رئيسي لسياسات ترامب- دعمه للمستوطنات الإسرائيلية، بما في ذلك في أكثر المناطق حساسية، في القدس الشرقية. كما أنه لم يخف تقاربه الأيديولوجي مع المستوطنين المتطرفين. وكان استعداد الإدارة السابقة للتفكير في حرمان حوالي 250 ألف مواطن فلسطيني في القرى المجاورة للضفة الغربية من حق التصويت كجزء من خطة ترامب للسلام -وهو مطلب قائم منذ وقت طويل لليمين الإسرائيلي المتطرف يهدف إلى تقليص البصمة الديموغرافية العربية في البلاد- مقلقاً بالمقدار نفسه.
    كما لعب الكونغرس الأميركي أيضًا دورًا مهماً في إضفاء الشرعية على الأصوات الإسرائيلية المتطرفة، سواء من خلال الفشل في إدانتها أو محاسبتها -بينما يفعل ذلك بشكل روتيني مع الفلسطينيين، على سبيل المثال- أو من خلال الترحيب بقادة المستوطنين فعلياً في مبنى الكابيتول هيل. وتضفي حقيقة أن المتطرفين المرتبطين بحركة “كاخ” يشاركون في الانتخابات الإسرائيلية -ويتم انتخابهم للكنيست- من دون ردة فعل من أي شخص في الكابيتول هيل، الشرعية مباشرة على عمل المتطرفين الإسرائيليين وآرائهم.
    حتى عندما لا تشارك بشكل مباشر في صنع السياسات، فإن الأصوات المتطرفة -سواء في السياسة الإسرائيلية أو الأميركية- تظل قادرة على تشكيل السياسة والخطاب السياسي من خلال نقل عوارض المرمى سياسياً ودبلوماسياً. وعلى سبيل، أصبح الكثيرون ينظرون الآن إلى قضايا كانت موضع إجماع من الحزبين خلال إدارتي كلينتون وجورج دبليو بوش -مثل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وتأكيد مركزية خطوط 1967 كأساس للمفاوضات- على أنها جدلية إلى حد كبير -أو حتى خارج الممكن.
    يمكن أن تفسر هذه الاتجاهات صمت بايدن النسبي وإحجامه عن معالجة القضية الإسرائيلية-الفلسطينية. ثمة الآن تكاليف سياسية متزايدة مرتبطة باتخاذ مواقف كانت تعتبر ذات يوم غير مثيرة للجدل. وحتى قرار إدارة بايدن الأخير بإعادة حزمة المساعدات الأميركية المتواضعة التي تخضع للتدقيق الشديد للفلسطينيين -وهي ضئيلة جداً مقارنة بالأموال الأميركية المخصصة لإسرائيل- أثار عاصفة من الغضب والمقارنات المبالغ فيها من جانب الجمهوريين في الكونغرس.
    بصفتها أكبر ممول لإسرائيل، يمكن للولايات المتحدة -ويجب عليها- أن تفعل المزيد لمكافحة التطرف المتنامي في إسرائيل. ويمكن أن تشمل الإجراءات المحتملة إدانة عامة بسيطة لبدء تحقيقات إنفاذ القانون في الجماعات المتطرفة الإسرائيلية وشبكات دعمها في الولايات المتحدة. وإذا لزم الأمر، يمكن لواشنطن أن تحدد رسميًا مجموعات مثل “ليهافا” والحركات التابعة لها على أنها “منظمات إرهابية أجنبية”، وتعمل على عدم استفادتهم من الإعفاءات الضريبية محليًا.
    ومع ذلك، فإن أهم شيء يمكن أن تفعله واشنطن هو التوقف عن منح القادة الإسرائيليين إفلاتاً مجانياً بأفعالهم. وقد أدى إحجام واشنطن عن تحميل إسرائيل المسؤولية عن أي تجاوزات -سواء فيما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان ضد الفلسطينيين، أو التوسع الاستيطاني المستمر، أو هدم المنازل، أو الإخلاء القسري، أو غير ذلك من الانتهاكات- مع الاستمرار في حماية إسرائيل من تكاليف وعواقب أفعالها على المستوى الدولي، إلى تغذية الشعور بالحصانة والروح الانتصارية لدى القادة الإسرائيليين واليمينين المتطرفين الذين مكّنوهم.
    بقدر ما يمكن للمستوطنين الإسرائيليين العنيفين مهاجمة الفلسطينيين بلا خوف من العقاب، فإن عدم وجود أي قيود أو عواقب ذات مغزى على السلوك الإسرائيلي شجع القادة الإسرائيليين على اتخاذ مواقف متطرفة وغير مستعدة للتسوية بشكل متزايد. ومع ذلك، حتى يتغير أي من هذا، سيحتاج المسؤولون الأميركيون على طرفي جادة بنسلفانيا إلى إجراء بعض البحث الجاد في الذات حول دورهم في تأجيج تلك النيران.
    *زميل رفيع ومدير برنامج فلسطين والشؤون الفلسطينية الإسرائيلية في “معهد الشرق الأوسط” ومؤلف كتاب “النقطة العمياء: أميركا والفلسطينيون، من بلفور إلى ترامب”.
    *نشر هذا المقال تحت عنوان: Washington Has Enabled Israeli Extremism
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock