تحليل إقتصادي

ما بعد الكورونا.. الاستثمار الجريء المبكر

محمد خواجا*

اذا ما استعرضنا رحلة منظومة ريادة الأعمال في الأردن على مدار عشرين سنة مضت، ندرك أن هناك العديد من الخطوات الإيجابية التي جعلت من بيئة الريادة في الأردن بيئة خصبة لنشأة الشركات ونموها، ولا سيما في قطاعات مثل المعلوماتية والقطاعات المتحولة رقميا مثل: التعليم الإلكتروني، الخدمات الصحية الرقمية والخدمات اللوجستية وغيرها من القطاعات المعتمدة عليها.
ومع كل التحديات الاقتصادية في المنطقة، يخطو الأردن خطوات عملية فاعلة لتطوير بيئة الشركات الناشئة وإعطائها فرص نجاح أكبر. ومع ذلك، فإن مؤشر الريادة العالمي الصادر عن معهد الريادة والتطوير العالمي يظهر تأخر الأردن 14 مرتبة في عام 2019 عن عام 2018 ليصبح في المرتبة (63) عالميا -وهي للأسف ذات المرتبة التي كنا عليها في 2015! يعكس هذا التصنيف في عام 2019 مرتبة أقل مما نستحق عربيا، حيث تحتل المملكة العربية السعودية المرتبة (42) والإمارات العربية المرتبة (25) بينما تحتل مصر المرتبة (81) عالميا.
قد لا يكون النمو في بيئة الريادة بالسرعة التي نطمح لها، لكنها أرقام لا يمكن تجاهلها وتحليلها لمعرفة أين نجحنا وما هي مجالات التحسين التي نصبو إليها. المؤشرات وحدها لا تكفي لصياغة خطة عمل للقطاع، حيث يستلزم الأمر التواصل المباشر والحثيث مع رواد الأعمال -اللاعب الأساسي في المعادلة- وهو ما أقوم به كمستشار للشركات الناشئة في المنطقة والعالم منذ أكثر من 15 عاما، بهدف تحليل التحديات والفرص والخروج بخطة عمل واقعية وفعالة يتبناها واضعو السياسات والمؤثرون في بيئة ريادة الأعمال.
اليوم هناك العديد من تحديات وفرص التمويل، وأبدأ بالإشارة إلى أن رأس المال الجريء المبكر (ويسمى البذرةseed funding ـ 100 – 500 ألف دولار ) والمبكر جدا (ويسمى ماقبل البذرة pre-seed funding أقل من 100 ألف دولار) ما يزال تحديا للشركات الناشئة لا يمكن تجاهله. لقد سعت مؤسسات وطنية رائدة بدءا بوزارة الريادة والاقتصاد الرقمي والصندوق الوطني للريادة والابتكار منذ تأسيسه لردم هذه الفجوة من خلال عدة برامج واعدة، لكن الفجوة ما تزال مستمرة باستمرار إقبال الشباب على تأسيس الشركات وانحسار الوظائف وتقبل المجتمع للعمل الحر وهو أمر مفيد على الأمد البعيد!
يعد التمويل الشخصي من المستثمرين الملائكيين (Angel investors) من أهم موارد التمويل المبكر جدا، وهو برأيي أمر في غاية الأهمية كخطوة أولى في مشوار الريادة للشركة الواعدة، وخاصة أن استثمارهم لا يقف عند التمويل المادي بل يتجاوز ذلك إلى توفير الخبرات والتشبيك وفرص تطوير الأعمال من قبل المستثمر (الملاك). يبادر العديد من الجهات في تنظيم نشاط المستمرين الأفراد للمال الجريء في شبكات يجتمع أعضاؤها بشكل دوري للقاء الشركات الواعدة والاستثمار معها بشكل تشاركي وفعال، بحيث يتشارك أكثر من مستثمر في تمويل ذات الفرصة الاستثمارية. للأسف ليس هناك أي شبكة مستثمرين جريئين فاعلة في الأردن في الوقت الراهن! ولذا لا أستطيع وصف شعوري لكم بالغبطة كلما حضرت اجتماعا لشبكات مستثمرين ملائكيين في دول عربية وأوروبية.
ولكن ما الجديد! لقد حظيت بالعديد من اتصالات الأقارب والأصدقاء والأقران في الفترة السابقة -أثناء ذروة الجائحة التي هزت العالم أجمع- من الموجودين في الأردن والمهجر، وكان العديد منهم يبحث عن فرص استثمارية في شركات ناشئة واعدة، خاصة مع ضعف فرص الاستثمار البديلة -حتى الآمنة منها- في تحقيق نمو لرأس المال في الوضع الاقتصادي الراهن. وبت أشعر أننا أمام فرصة ذهبية لاستقطابهم في لقاءات دورية حية على شبكة الانترنت تشجعهم على الاستثمار في شركات أردنية ناشئة تقدم نفسها كفرص استثمارية رائدة في أول طريق -قد يكون محفوفا بالتحديات- لكنه حتما سيكون أقل قساوة وشراسة من دون مستثمرين ملائكيين.
أرجو أن نشهد في عام 2020 نشأة “واستمرار” العديد من شبكات المستثمرين الملائكيين، وخاصة تلك التي تستقطب الأردنيين والعرب المغتربين من أصحاب الخبرات والمدخرات والتي حتما ستجد نوعية متميزة من الرياديين الواعدين المتعطشين للنجاح مما سيزيد من جاهزية الشركات الناشئة للدخول في جولات استثمارية لاحقة ويزيد من نضج بيئة الريادة خلال العقد القادم.

  • المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة “ ستارت آبز”

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock