ترجمات

الاستيلاء: إسرائيل، النكبة، و”الأشياء” (3-1)

ريبيكا ل. ستاين* – (مجلة الاثنولوجيا الفرنسية) العدد 2 للعام (2015)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

أثناء عملها على إجراء بحث حول تاريخ شمال إسرائيل، عثرت صديقة إسرائيلية بقصة مسجدٍ ما تزال بقاياه قائمة على أرض “كيبوتس” طفولة والدها؛ مسجد خدم المجتمعات الفلسطينية المحلية في المنطقة خلال فترة ما قبل العام 1948. وعلِمت أن هيكل المسجد ظل متماسكاً نسبيًا بعد فترة طويلة من فرار روّاده الفلسطينيين أو طردهم خلال حرب 1948-1949، في حين طُويت أرضُه في أراضي دولة إسرائيل الوليدة. واتصلَت بوالدها في منزله في تل أبيب لتأكيد الاكتشاف. سألته: هل تتذكَّر المسجد؟ كلا، أجاب، إنه لا يتذكر. وضغطت عليه قليلاً. أصرَّت عليه: لكنّ لديّ إحداثياته، وبقاياه موجودة على أرض “الكيبوتس”. لكنه كان متأكداً أيضاً من أنه لا يعرفُه، مذكّرًا إياها بأنه يعرف كل شبر من أراضي “الكيبوتس”، وهو الذي أمضى جُل طفولته متجولاً في ضواحيه وفقًا للتربية الصهيونية السائدة. كان إنكاره قاطعاً، وهناك انتهت المحادثة.
بعد بضعة أيام لاحقاً، اتصل بها مرة أخرى عائداً بمجموعة من الذكريات المتأخرة. بدا أنه خلال نقاش مع شقيقاته اللواتي نشأن أيضًا في هذا “الكيبوتس”، خرجت صورة منسية ببطء إلى المشهد. نعم، كان المسجد هناك، كما أكد. وفي الواقع، يتذكر أيضاً مشاهدة الفلسطينيين وهم يقطفون الفاكهة في الحقول المجاورة عندما كان طفلاً صغيرًا، وهي ذكرى افترضَ أنها مشهد من ما بعد الحرب في العام 1949، من اللحظة التي عادت فيها العائلات الفلسطينية المنفية في وقت قريب من إنشاء إسرائيل لجني محاصيلها وتفقُّد ممتلكاتها. وقد أزعجتهُ عملية التذكُّر هذه. كيف يمكن لمثل هذه المعرفة الحميمة عن وطن المرء أن تتلاشى ببساطة، فقط لتعاود الظهور بشكل مفاجئ وواضح؟
هذه ورقة عن ممارسات الذاكرة الإسرائيلية في الأعوام الأخيرة -الطرق التي رفضت بها مجتمعات اليهود الإسرائيليين من مختلف المواضع، ونسيَت، وتذكَّرت، وأحيَت ذكرى تاريخ نهب الفلسطينيين وتجريدهم من ممتلكاتهم في خضم حرب 1948-1949 وفي أعقابها (المعروفة باللغة العربية باسم “النكبة”)، وكيف فهمت هذه المجتمعات الإسرائيلية المختلفة الآثار المادية لعيش الفلسطينيين قبل العام 1948، والتي بقيت داخل حدود إسرائيل في أعقاب المنفى الفلسطيني. وتصر هذه الورقة على ما يمكن أن نسميه “الزمانية المزدوجة للذاكرة”، والطرق التي ترتبط بها الحالة السياسية -وربما أيضًا المعرفية- للذاكرة، و/ أو أفعال النسيان، بزمن الحادثة الأصلية المعنية، وبزمن فعل التذكر نفسه. وهكذا، ستنظر هذه الورقة في شروط الاحتمالية التي تدعم وتؤسس لأفعال الذاكرة، وتتساءل عن السبب في عودة مجموعة من التواريخ الفلسطينية التي أهملتها الدولة الإسرائيلية وحجبتها فعلياً إلى المشهد الإسرائيلي في لحظات معينة.
الحياة الاجتماعية في “الأشياء”
تقع أسئلة الاستيلاء والتملُّك، التي تفهم كأفعال وأسماء، في صميم هذا التحقيق. وأنا مهتمة بشكل خاص بالطرق التي ترتبط بها الذكريات الإسرائيلية نفسها بـ”الأشياء” التي كانت فلسطينية سابقًا -على وجه التحديد، بالأشكال المختلفة للممتلكات الفلسطينية التي سُرقت، أو صودرت، أو انتُزعت، أو اشتراها الإسرائيليون في نهاية المطاف، خلال الحرب وبعدها. كما أنني مهتمة بالكيفية التي تم بها تداول هذه الممتلكات وإعادة تقييمها في السياق اليهودي الإسرائيلي، بالمعاني التي ظهرت في دائرة إعادة التقييم هذه، وكيف تترابط هذه الدوائر مع جوانب أخرى من المشروع القومي-الاستيطاني الإسرائيلي. وبالاعتماد على عمل أرجون أبادوراي Arjun Appadurai، يسعى هذا المقال إلى أخذ “الحياة الاجتماعية للأشياء” بجدية -أي “تعقُّب هذه الأشياء نفسها… أشكالها، واستخداماتها، ومساراتها” أثناء انتقالها من الاقتصادات الفلسطينية إلى الاقتصادات الإسرائيلية [Appadurai 1986].
طبيعة “الأشياء”، في هذا العرض، متعددة، ويُقصد أن تُفهم في تمايز مضاد مع الحسابات القانونية والكمية للممتلكات الفلسطينية وفقدانها، بالطريقة التي تناولها بها الباحثون في الشرق الأوسط تقليديًا [Fischbach 2003; Fischbach 2006]. لا يمكن تفسير “الأشياء” التي أهتم بها في هذه الدراسة على أنها مجرد سلع، لأن قيمتها تتجاوز موقعها أو وظيفتها في نظام تبادل كلاسيكي [Koptyoff 1986]. بدلاً من ذلك، في حين أنها أوعية للقيمة التبادلية، فإنه يتم استثمار هذه الأشياء أيضًا بقيمة عاطفية؛ إنها أوعية للمشاعر والذاكرة والرغبة؛ وهي تتقاطع مع أنظمة معينة للتمثيل والإدراك. وتهتم هذه الورقة بشكل أساسي بالاقتصاديات الرمزية والتمثيلية التي تقع ضمنها الأشياء الفلسطينية بينما يتم تداولها في عوالم اجتماعية يهودية إسرائيلية.
في الأحاديث مع فلسطينيي الشتات وفي مذكراتهم المكتوبة، كثيرًا ما يعرف المرء -ليس عن البيوت والأراضي المفقودة فحسب، وإنما أيضًا عن الأثاث، والكتب، وألبومات الصور والملابس [Karmi 1994; Sakakini 1987]. لكن معظم الأدبيات حول الفقدان الفلسطيني، مهما كان تدخلها السياسي في مراجعة روايات الهيمنة لتشكيل الدولة الإسرائيلية، كانت دائمة غارقة في نقطة عمياء متكررة: لقد جادل معظمها، صراحةً أو ضمنًا، بأن الممتلكات المعنية ظلت تحتفظ بهويتها الفلسطينية في أعقاب السلب، حتى بينما تنتقل هذه الممتلكات إلى العوالم الاجتماعية الإسرائيلية وتتحول بفعل هذه العوالم. ويُطرَح الافتراض نفسه حول الطرق التي ترتبط بها المشاعر والذاكرة بالأشياء المسلوبة؛ عادة ما يُعتقد أنهم تلتحم في موقع الخسارة ومع الفلسطينيين الذين عانوا منها. والافتراض هو أن الفقدان أو السرقة تترك هوية الشيء (أي فلسطينيته) كما هي من دون تغيير: أن موضع القيمة العاطفية الوحيد يكمن في الشكل الفلسطيني للشيء المعني. ووفق هذا الخط من الحجج، فإنه لا يمكن تحقيق قيمة وهوية الشيء الذي صودِر أو اشتُري أو سُرقَ بالكامل إلا من خلال إعادته إلى مالكه الشرعي. ولا ينبغي التقليل من أهمية الرهانات السياسية في مثل هذه الحجج، لأنها تشكل جهودًا مهمة لرواية الظلم الناجم عن نزع الملكية ونهبها.
رفضَت مثل هذه الأدبيات بشكل أساسي أن تأخذ الحياة الاجتماعية لهذه الأشياء على محمل الجد في أعقاب انتزاعها ووجودها في أيدي سالبيها. وهكذا، حجب الإخلاص لرواية السلب ونزع المُلكية الطرق التي أصبحت بها هذه الأشياء، في نظر أصحابها الجدد، إسرائيلية، وما تخبرنا به عمليات التحويل هذه عن الثقافة اليومية للاستعمار الإسرائيلي. وبذلك، فإن مشروع هذه الورقة على وجه التحديد هو: أن نأخذ على محمل الجد الطرق التي تحمل بها الأشياء الفلسطينية المصادرة والمنهوبة معنىً ضمن المصفوفة السياسية الإسرائيلية: النظر في الطرق التي تربط بها الذكريات الإسرائيلية نفسها، أو تفشل في الارتباط، بهذه الأشياء؛ والسؤال عما قد تخبرنا به مثل هذه العمليات عن التقنيات الإسرائيلية اليومية لتكريس القومية-الاستيطانية.
يدرس هذا المشروع ما أسماه أرجون أبادوراي “الحياة الاجتماعية للأشياء” بينما تنتقل هذه الأشياء من اقتصاد سياسي ورمزي معين إلى آخر، وعملية التطبيع والتجنيس التي غالبًا ما تصاحب هذا المسار المحرَّف قومياً. وبعد عمل المنظر بيل براون Bill Brown، تتناول هذه الورقة أشكال كل من التاريخ والوكالة التي تتواجد في الأشياء نفسها (مثل المنازل، والهدايا التذكارية، والأشياء المنهوبة) عندما يتم “استحضارُها” في هذا السياق السياسي-القومي الجديد، إضافة إلى الطرق التي تُنقَش بها بالتواريخ، والسياسات، والذكريات الاجتماعية التي توجد أحيانًا في حالة توتر مع دورة الاستيلاء التي يتم إدراجها فيها [Brown 2006]. وأنا أقرأ الاستيلاء على أنه ملعب المنافسة السياسية الشرسة في السياقين الإسرائيلي والفلسطيني -المجالات التي يتم فيها التفاوض على المطالب السياسية ويجري فيها تزوير الهويات الوطنية. وعلى هذا النحو، تقترح هذه الورقة الابتعاد عن مسائل “نزع الملكية” إلى تلك المتعلقة بـ”إعادة الامتلاك”. ولا يقصد هذا إلى إظهار عدم اتفاقي مع سياسة بحوث نزع الملكية. إنه، بالأحرى، إشارة إلى نمط مختلف لدراسة إرث الاستعمار الإسرائيلي وعنف تشكيل الدولة، من منظور المنتصرين.
ثمة ثلاثة أنواع من الأشياء، فيها تواريخ الاستملاك اليهودي، والتي تقع في المركز الإثنوغرافي لهذا التحقيق. أولاً، أتناول تاريخ النهب خلال حرب 1948-1949، مع التركيز على الأشياء الفلسطينية اليومية وذات الأشكال والوظائف المختلفة (المجوهرات، والأثاث، والسجاد) التي استولى عليها جنود ومدنيون إسرائيليون خلال الحرب وفي أعقابها. ثانيًا، أقوم بدراسة حالة المنازل الفلسطينية سابقًا، والتي يسكنها الآن يهود إسرائيليون -المنازل التي أُخِذت من خلال مصادرة الدولة لما تُسمى “أملاك الغائبين”. ثالثًا، أقوم بالتحقيق في حالة المشاهد الطبيعية الإسرائيلية والتخيلات الإسرائيلية الشعبية عنها، مع التركيز بشكل خاص على تلك التي تحمل الآثار المرئية لماضيها الفلسطيني.
كل هذه التحقيقات الإثنوغرافية تجري على أراضي القدس الغربية -والتي تردد صدى قصة المسجد الطيفي الذي بدأ به هذا المقال، ولكنها تحدد موقع هذه البِنية الإسرائيلية المشتركة للنسيان في داخل حيز قومي محدد للغاية، وله تاريخه الخاص. وكلها محاولات تأويلية لجعل التاريخ الفلسطيني لهذه الجغرافيا الحضرية مرئيًا، والإشارة إلى المدى الذي تم به محو هذا التاريخ، وتطبيع هذا المحو، ضمن التصورات الإسرائيلية المهيمنة. ويشكل إقران هذه المواضيع المقدسية المتباينة معاً محاولة للنظر في أنماط الاستيلاء الإسرائيلي عبر مجموعة من المعايير المتباينة: بالانتقال من الشيء اليومي، إلى المنزل، ثم إلى المشهد العام. لكن النطاق الأكبر الذي أهتم به هنا هو نطاق الدولة القومية. وعلى خطا عالم الجغرافيا نيل سميث Neil Smith، أؤكد أننا نأخذ على محمل الجد العلاقة المتغيرة بين هذه المقاييس في سياق مشروع صنع الأمة -الطرق التي كانت بها ممارسات الاستيلاء والتملك عبر هذه المعايير المتنوعة جزءًا لا يتجزأ من إنتاج وتقوية المقياس القومي نفسه [Smith 1992]. وأقترح أننا، من أجل فهم نشوء الدولة القومية الإسرائيلية في العام 1948 والتقنيات التي أُديمت بها في العقود اللاحقة، يجب أن نفكر في وظيفة إعادة التملُّك في أكثر الأماكن والطرق التي طُبعت فيها بالمحلية، ومن خلال تطبيع الأكثر يومية من الأشياء.
النهب
التقيتُ موشيه عميرة أثناء عملي الميداني في قرية أبو غوش الفلسطينية -الواقعة داخل حدود إسرائيل على الطريق السريع الذي يصل تل أبيب بالقدس، على بعد عشر دقائق فقط بالسيارة من وسط مدينة القدس الغربية. وكان عَميرة هو اليهودي الوحيد الذي يعيش في القرية وقت لقائنا الأول في العام 1995، بعد أن انتقل من ضواحي القدس بحثًا عن عقار يمكن تحمل كلفته و”حياة أبسط وأكثر هدوءًا”. وعاش عميرة في أحد أقدم المنازل في هذه القرية التي يعود تاريخها إلى القرون الوسطى، والذي اشتُري في أوائل الثمانينيات وتم تجديده بعد عقد من الزمن. وبعد ظهر أحد الأيام، اصطحبني في رحلة عبر تاريخ التجديدات التي أجراها للمنزل، فسرد التقدم في تطوير قبو منزله من إسطبل إلى غرفة الضيوف المزخرفة الآن، والمليئة بالنوافذ التي يبلغ ارتفاعها 12 قدمًا، والمقاعد الرخامية المطعّمة، و”الدرج المخصوص” الذي صممه فنّان بارز في تل أبيب.
وتخلَلت جولتي في المنزل قصص عن أشياء أُخِذت، أو عُثر عليها، أو أعطاها آخرون -قصص رويت بصراحة وفي تعاقب سريع. وقد “اكتشف” عميرة الصخرة الحمراء التي طُعِّم بها الطابق الأول من منزله في منطقة رام الله. وتم اكتشاف الرخام المرصع وقطع الفسيفساء التي تزين غرفة المعيشة في موقع الحفريات الأثرية في وسط مدينة القدس الغربية، من حيث حصل أيضًا على القطعة نصف الدائرية المنحوتة المثبتة فوق المدخل، وطاولة خشبية احتفالية. وكان قد تلقى العمود المزخرف في غرفة نومه الرئيسية “من بعض أطفال القرية كهدية” ويقول إن تاريخه يعود إلى نحو 300 عام. وبروايته الخاصة، جلب عَميرة قطعًا جديدة إلى المنزل كل الوقت، وكان يقرر عنذئذ ما إذا كان “المنزل سيقبَلُها”. وبينما كان يدرك أنه يواجه خطر تغريمه -أو حتى سجنه- إذا اكتشفت سلطات الآثار هذه “المكتشفات”، فإن هذا التهديد لم يثنِه عما يفعل كما يبدو. وفي الواقع، لم تكن روايته عن حياة كاملة من النهب غير معتذِرة فحسب، بل إنها كانت مأذونة بوضوح بخطاب تخليصي: فكرة أنه “لو أنني لم آخذه أنا، لكان قد دُمِّر”.
توقفت جولتنا أمام جهاز مذياع خصّه عَميرة بمكان بارز مميز على حافة رخامية في غرفة جلوسه. كان قطعةً رائعة بخطوط حداثية جداً تتخلل خشب الكراميل الملون. كلا، أوضح عَميرة، هذا لم يسرقه. لكن والدته هي التي فعلَت بناء على طلب من جدته خلال حرب 1948-1949. قالت لأمي، “الجميع يذهبون ويأخذون شيئاً… لماذا لا تذهبين”؟ فذهبت أمه إلى القطمون وأخذت هذا الراديو. ولسنوات، كان الراديو الوحيد في منزل العائلة واستمر والده في استخدامه خلال السبعينيات، و”ما يزال يتمتع بقدرة استقبال عظيمة”.
كانت تلك المقابلة مع عَميرة هي أول لقاء لي مع تاريخ النهب الإسرائيلي -أو بالأحرى، أول تاريخ يرويه سارق إسرائيلي. وفي الأعوام اللاحقة من العمل الميداني والبحوث الأرشيفية، سوف تتعزز روايته بقصص أخرى عن السلع المنهوبة التي قدمتها عصابة “الهاغاناه” كهدايا لأولاد “الكيبوتس” في أعقاب الحرب، والتي دُفنت لاحقًا في ممتلكات الكيبوتس في خضم الغضب والاحتجاج اللذين عبّر عنهما كبا السن في “الكيبوتس”، الذين اعترضوا على الاستفادة من السلع المنهوبة [Bronstein 2007]؛ وبذكريات امرأة إسرائيلية في منتصف العمر، والتي شاهد أصدقاؤها في “الكيبوتس” الأشياء وهي تظهر بشكل غامض في منازلهم بعد توقف الحرب، (الأثاث والسجاد) وتملؤهم الأسئلة التي لم يتلقوا إجابات عنها عن مصدرها، والخجل الذي شعرَت به عندما عاد والدها إلى المنزل من دون أن يجلب معه أي شيء؛ والروايات عن الكتب، بل المكتبات الكاملة، التي أُخِذت من منازل فلسطينية “فارغة” في خضم الحرب وما بعدها، والتي تم نقل الكثير منها إلى المكتبات الجامعية حيث ما تزال حتى اليوم [Amit 2006; Amit 2007b].
ما يعرفه المرء عندما يستشير رواية البحوث العلمية عن النهب في زمن الحرب -وهي سجل ضعيف ومتفاوت في أحسن الأحوال [Amit 2006; Amit 2007a; Krystall 1998; Segev 1984]- هو طبيعة الانتشار واسع النطاق لهذه الممارسة، ووتيرته المسعورة، والتغطية الصريحة نسبيًا التي تلقتها مثل هذه الممارسات في الصحافة العبرية في فترة الحرب. كتب صحفي إسرائيلي في العام 1949: “لقد استحوذت الرغبة في الاستيلاء على الجميع. اندفع الأفراد، والجماعات والمجتمعات، الرجال والنساء والأطفال، إلى خطف الغنائم. الأبواب، والنوافذ، والعتبات، والطوب، وبلاط الأسقف، والخردة وأجزاء الآلات…”[Segev1986: 70]. ولم تكن الحكومة الإسرائيلية في ذلك الوقت أقل وضوحاً في ملاحظة الظاهرة. وكما لاحظ توم سيغيف: “في كثير من الأحيان نوقشت مشكلة النهب” في جلسات مجلس الوزراء، غالبًا بلغة فضحت الممارسة باعتبارها سرًا إسرائيليًا مُعلَناً [Segev 1986: 72].
كان موضوع النقاش، بكلمات رئيس الوزراء الإسرائيلي في العام 1949، هو “سطو جماعي شاركت فيه جميع شرائح السكان” -في دليل، كما أضاف، على “إخفاقات أخلاقية… لم أشك أبدًا في هذا” [Segev1986: 69]. ويبدو أن الكثير من السرقات ارتكبها جنود يهود قاموا في ما تسمى بـ”القرى المهجورة” بتفكيك أي شيء وجدوه في أعقاب هروب الفلسطينيين و/ أو طردهم، وغادروا بـ”النقود، والمعدات الثقيلة، والشاحنات، وقطعان كاملة من الماشية” [Segev 1986: 49]. وفي البداية، خططت السلطات الإسرائيلية لجمع، وفهرسة -وفي النهاية توزيع أو بيع- “الممتلكات الهائلة” الموجودة في تلك الأماكن “المهجورة” [Segev 1986: 69-71].
ولكن، في الممارسة، كانت معظم هذه الممتلكات قد فُقدت للنهب بحلول الوقت الذي كان من المقرر أن تبدأ فيه هذه الفهرسة. وكما شهد “الوصي على أملاك الغائبين” في ذلك الوقت: “لم تصل الملابس، والأمتعة المنزلية، والمجوهرات والمفروشات -بخلاف المراتب- أبداً إلى مستودعات سلطة الحراسة” [Segev 1986:69]. ويمكن القول إن ترميز مثل هذه الممتلكات، مثل “الغائبين” أو “المهجور” كان هو بالضبط ما جعل هذه السرقة واسعة النطاق ممكنة -أو أنه وفر، على الأقل، مصادقة عامة على مثل هذه الممارسات.
كان النهب شرسًا بشكل خاص في حي القطمون الفلسطيني الذي تقطنه الطبقة الوسطى الفلسطينية، وهو الحي نفسه الذي أُخِذ منه راديو عَميرة. وكما نعرف من مذكرات وذكريات سكان القدس الذين عاشوا الحرب (يهوداً وفلسطينيين على حد سواء)، فإن أعمال النهب والسرقة في هذا الحي كانت مُعلنة وواضحة للغاية وشاهدها الجميع، ولم يوقفها انتظار لانسدال ستار الظلام ولا شعور سائد بالخجل. هذا هو الاقتراح الذي قدَّمته في هذه الشهادة يهودية من سكان القدس، والتي كانت هي نفسها فتاة مراهقة خلال فترة الحرب:
“أتذكر النهب في القطمون جيدًا… في ذلك الوقت، كانت عائلتي تعيش في رحافيا (حي يهودي مجاور مباشرة لهذه المنطقة الفلسطينية)… لأيام، كان بإمكانك رؤية أشخاص يمشون وهم يحملون الأشياء المنهوبة. كنت أحدق من نافذة شقتنا وأرى عشرات الأشخاص وهم يمرون ومعهم المنهوبات… ليس الجنود فقط، وإنما المدنيين أيضًا. كانوا ينهبون مثل المجانين. كانوا يحملون حتى طاولات السفرة. وكانوا يفعلون ذلك في وضح النهار، بحيث يمكن للجميع أن يروا… ذات ليلة أخرجني جندي ورافقني في جولة في (الحي العربي المجاور). وأذهلني جمال المنازل. دخلت أحدها -كان جميلًا فبه بيانو وسجاد وثريات رائعة… أراد أحد الجنود أن يُرضيني فجلب لي منديلًا وأقراطًا. وقد شعرت بالإطراء، لكنه لم يخبرني بأنه نهبها… وعندما أريتها لأبي، نظر إلي وقال، “تخلصي منها! كيف تجرؤين على أخذ أي شيء”. [Krystall 1998:102].
تُعقّد الشهادات من هذا النوع القصةَ التي ربما نحكيها عن السرقة الإسرائيلية للممتلكات الفلسطينية خلال الحرب، وتذكرُنا بالذين رفضوا إغراءاتها. ويصف الجزء المتبقي من هذه الرواية الاعتراضات الشرسة للعائلات على ما أصبح ممارسة عامة واسعة الانتشار ومقبولة على ما يبدو. وهذه الفقرة، بوصفها الغامض إلى حد ما للمغازلة المثلثة بواسطة الشيء المنهوب، يوحي أيضًا بالشحنة الإغرائية المثيرة التي كانت تُشرَّب بها السرقة والممتلكات المسروقة أحيانًا -وهو اقتراح عززته العلاقة بين الاغتصاب والنهب، بلغة الحكومة الإسرائيلية.
إن ما تقدمه هذه الرواية هو تصوير حميم لممارسات النهب في خضم الحرب، و(لما يمكن أن نسميه) جغرافيات الأماكن الداخلية التي وقع فيها. وكما نعلم في هذه الفقرة، فإن ثقافة السرقة جلبت الجنود والمدنيين اليهود الإسرائيليين إلى داخل منازل العرب الفلسطينيين -إلى أكثر الأماكن الداخلية خصوصية. وفي الواقع، ثمة العديد من عناصر الداخل حاضرة في مشهد الدخول غير المشروع الموصوف أعلاه: ليس مجرد دخول المنزل بشكل عام، وإنما يفترض أيضًا أن يكون ذلك إلى غرفة النوم (حيث عُثر على الأقراط)، والمكتب، وصندوق المجوهرات. وكما تشير شهادة عَميرة، فإن الرغبة في السرقة أثناء الحرب أنتجت شيئًا من ثقافة الاستكشاف المحلية بين الجنود الإسرائيليين والمدنيين اليهود على حدٍ سواء.
وكانت ممارسات الاستكشاف هذه طاغية تقريبًا (تذكَّروا كلمات جدة عميرة: “الجميع يذهبون ويأخذون شيئًا”)، مع الوعد بوجود سلع غير محمية، ومتاحة للأخذ. وقد أسفرت ممارسات السرقة والاستكشاف هذه عن أكثر من مجرد السلع واللقاءات الحميمة. لقد قدمت العديد من الطرق المؤدية إلى الداخل الفلسطيني، ولا سيما تلك الموجودة في حي القطمون الثري، معرفةً جديدة ومفاجئة عن المجتمع العربي والحياة اليومية الفلسطينية. وقدمت القطع الأثرية الموجودة في هذه المساحات (السجاد، وأجهزة الراديو، والكتب والثريات) دليلاً على وجود ثقافة مدينية نابضة بالحياة لدى مجموعة سكانية كانت مفهومة في العين الصهيونية السائدة على أنها تعيش على الكفاف.

*Rebecca L. Stein: أستاذة الأنثروبولوجيا الثقافية في جامعة ديوك، تبحث في الروابط بين الثقافة والسياسة في إسرائيل في سياق الاحتلال العسكري الإسرائيلي وإرث نزع الملكية الفلسطينية.
*نُشرت هذه الدراسة تحت عنوان: Dispossession Reconsidered: Israel, Nakba, Things
*ملاحظة: المراجع في نهاية الجزء الثالث.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock