Uncategorizedترجمات

المعركة من أجل السيطرة على إدلب قد تسبب موجة أخرى من اللاجئين إلى أوروبا

فابريس بالونش* – (معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى) 10/2/2020

تزداد حدة المعركة من أجل محافظة إدلب؛ آخر معاقل المتمردين السوريين. وحيث تشتد الاشتباكات بين الجنود الأتراك وقوات نظام الأسد والمدنيين المشردين على طول الحدود، تدرس مختلف الجهات الفاعلة الخارجية والمحلية الخطوات التي قد ترسل مئات آلاف اللاجئين إلى أجزاء أخرى من سورية، أو شمال العراق أو أوروبا.
مخاوف أوروبا، نفوذ تركيا
أكثر ما تخشاه دول الاتحاد الأوروبي هو رؤية موجة جديدة من اللاجئين السوريين وهي تجتاح القارة. وهناك اثنتان من الدول التي فتحت أبوابها خلال موجة تدفق اللاجئين الجماعية السابقة في العام 2015 -ألمانيا والسويد- أصبحتا غير مستعدتين الآن لتكرار ذلك. ومع أن فرنسا لم تتأثر إلى حدّ كبير بالموجة السابقة، فإن الرئيس إيمانويل ماكرون يسعى مع ذلك إلى تجنيب بلاده أن تصبح الملاذ الجماعي التالي. وبدلاً من ذلك، اقترح آلية لتوزيع اللاجئين الجدد بالتناسب بين جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. لكن دول أوروبا الشرقية رفضت هذه الفكرة رفضاً قاطعاً، خاصة بولندا والمجر.
من الأسباب التي تجعل أوروبا مترددة للغاية في إعادة فتح أبوابها الهجمات الإرهابية المتعددة التي شهدتها في الأعوام الأخيرة -بعضها ارتكبها جهاديون تسللوا إلى القارة بموجب آليات تهدف إلى مساعدة اللاجئين. ويُعد توقيف إسلام علوش الشهر الماضي في مرسيليا خير دليل على أن أجهزة الاستخبارات الأوروبية غالباً ما تعجز عن تمييز الصالح عن الطالح عند التدقيق في المتطرفين العنيفين. وكان علوش، وهو مسؤول سابق في جماعة “جيش الإسلام” الإسلامية السورية الوحشية المتمردة، قد وصل إلى أوروبا في العام الماضي بواسطة تأشيرة طالب في إطار برنامج منح دراسية تابع للاتحاد الأوروبي، وبقي هناك لأشهر عدة قبل أن يتم القبض عليه بتهم التعذيب وارتكاب جرائم حرب أخرى.
كما تسببت التكلفة الاقتصادية المحتملة المترتبة على استضافة ملايين اللاجئين الجدد في إثارة قلق أوروبا أيضاً. وعلاوةً على ذلك، تتعامل القارة حالياً مع موجة انتخابية شعبوية معادية للأجانب. وإذا ما أضيفت هذه العوامل إلى أثر الدومينو المحتمل الناجم عن معركة إدلب، فإنها تطرح تهديدات خطيرة على تماسك الاتحاد الأوروبي في كافة القضايا، كما أنها تهدّد الوضع القائم باهظ الثمن الذي أنشأته أوروبا مع تركيا في العام 2015.
وتدرك تركيا جيداً المعضلة التي يواجهها الاتحاد الأوروبي. فنظراً لأن اللاجئين السوريين ليسوا مهاجرين اقتصاديين، وإنما شعب يعاني ضيقاً حقيقياً والذي يهاجر بسبب الحرب، فقد شعر العديد من القادة الأوروبيين بأنهم ملزمون بإظهار قدر من التضامن معهم. وقد استغل الرئيس رجب طيب أردوغان هذه المشاعر لابتزاز الاتحاد الأوروبي بشكل رئيسي، الذي موّل ملايين اللاجئين السوريين الذين ما يزالون يقيمون في تركيا بخطة دعم قيمتها 6 مليارات يورو منذ العام 2016. ويواصل الاتحاد الأوروبي أيضاً دعم الزراعة، والسياحة، والثقافة التركية، والقطاعات الأخرى في البلد كما لو أن تركيا ما تزال منخرطة في جهد جاد للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، على الرغم من أن كلا الجانبين يعرف أن هذا لم يعد واقع الحال. وأخيراً وليس آخراً، حرص المسؤولون الأوروبيون على عدم إدانة أنقرة أو معاقبتها على انتهاكات حقوق الإنسان الناجمة عن عملياتها العسكرية ضد الأكراد في سورية، ولو كان ذلك فقط لأنهم لا يملكون خطة بديلة جاهزة إذا قرر أردوغان الانتقام عبر إثارة مشاكل لا حصر لها ترتبط بالهجرة الجماعية.
سيناريوهات النزوح واللاجئين
منذ كانون الأول (ديسمبر)، دفع تقدم الجيش السوري السريع في إدلب بحوالي 400.000 مدني إلى الهرب والاحتماء قرب الحدود الشمالية للمحافظة مع تركيا، حيث يوجد أساساً ما يقرب من مليون من النازحين داخلياً. وبالإجمال، قد يؤدي القتال في النهاية إلى تشريد حوالي 2.5 مليون شخص من إدلب إذا آتت حملة النظام ثمارها. وكان أردوغان قد بنى جداراً لمنع هؤلاء المشردين داخلياً من عبور الحدود والانضمام إلى اللاجئين السورين الموجودين أساساً في تركيا والذين يقدّر عددهم بنحو 3.5 مليون -وهو عدد أصبح يعتبره لا يطاق من الناحيتين السياسية والاقتصادية بعد أن استضافت تركيا اللاجئين لأعوام وقدمت لهم دعماً كبيراً.
على الرغم من أن أردوغان حاول كسب الوقت من خلال إبطاء وتيرة التقدم السوري بالقوة وتقديم الإنذارات العسكرية إلى دمشق، إلا أنه سيضطر في النهاية إلى اختيار أحد الحلّين الآتيين: السماح للأشخاص النازحين داخلياً بعبور الأراضي التركية نحو وجهتهم النهائية المتمثلة في الوصول إلى أوروبا؛ أو إرسالهم إلى أجزاء أخرى من سورية. وإذا اتبع المقاربة الأولى، سيوقف الاتحاد الأوروبي فوراً مساعداته المالية الضخمة إلى تركيا. لكن المقاربة الثانية تطرح عقبات خاصة بها. فمعظم اللاجئين السوريين لا يريدون العودة إلى بلد مدمر، قد يتعرض فيه الكثير منهم لخطر الانتقام بسبب مشاركتهم في التمرد. حتى أن الاستقرار في المناطق السورية الخاضعة لسيطرة تركيا سيتطلب تنمية اقتصادية هائلة وأمناً محلياً كبيراً، وهما عنصران غير متوافرين حالياً. وعلى عكس ذلك، فإن ملايين اللاجئين الموجودين بالفعل في تركيا راضون عن التمتع بظروف معيشية أفضل وأمل دائم في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في نهاية المطاف.
بغض النظر عن هذه العقبات، يعتقد أردوغان أن التهديد بموجة جديدة من اللاجئين والتي تكون كبيرة سيكفي لدفع أوروبا إلى قبول وتمويل الخيار الثاني. وتنطوي النسخة الحالية من خطة تركيا على إنشاء منطقة عازلة على عمق 32 كيلومتراً من نهر دجلة على الحدود شمال شرق سورية وصولاً إلى إدلب، ومن ثم نقل أكبر عدد ممكن من اللاجئين السوريين إلى هناك. لكن هذا سيتطلب استئناف العمليات العسكرية المتوقفة ضد الأكراد السوريين، بهدف الاستيلاء على مختلف البلدات الحدودية التي لم تسيطر عليها تركيا والميليشيات التابعة لها حتى الآن، (جميع البلدات الحدودية باستثناء القامشلي، التي ستبقى تحت سيادة نظام الأسد).
لا شكّ أن التداعيات العرقية لمثل هذه الحملة ستكون خطيرة. فمنذ كانون الثاني (يناير) 2018، وهو تاريخ الهجوم التركي على عفرين في شمال غرب سورية، غادر أكثر من نصف السكان الأكراد هذا الكانتون (200.000 نسمة). وعلى مسافة أبعد إلى الشرق، فر جميع الأكراد (70.000 نسمة) المنتشرون بين تل أبيض ورأس العين بسبب التوغلات التركية اللاحقة. ويتمثل هدف أردوغان في استبدال هؤلاء الأكراد بالعرب السنّة من أجل إقامة منطقة عازلة خالية من الأكراد على طول الحدود -وهي نتيجة تتواءم مع جهوده الأوسع نطاقاً لقمع حزب العمال الكردستاني العنيف محلياً وميليشيته الشقيقة، وحدات حماية الشعب، في شمال سورية.
يُذكر أن هذه العملية تجري على قدم وساق في عفرين؛ حيث إن عوائل المقاتلين السوريين من ميليشيا الجيش الوطني السوري المدعومة من تركيا تحتل منازل الأكراد الذين فروا من المنطقة. كما تم نقل بعض السوريين المشردين إلى تل أبيض ورأس العين، على الرغم من تباطؤ هذا الجهد بسبب استمرار انعدام الأمن في المنطقة وغياب الاستمرارية الإقليمية مع إدلب، وهي المنطقة الأكثر احتياجاً إلى إعادة توطين المشردين داخلياً. ويواجه معظم اللاجئين في إدلب ظروفاً إنسانية بائسة وخوفاً من الوقوع تحت رحمة الجيش السوري الذي يتقدّم بخطى ثابتة إلى المنطقة.
إذا نجح أردوغان في إقامة كامل المنطقة العازلة التي يريدها، فمن المرجح أن يتم تهجير 650.000 من سكان شمال شرق سورية -ثلاثة أرباعهم من الأكراد. وبدلاً من الانتقال إلى أجزاء أخرى من سورية، يُفترض أن يفر معظمهم إلى مناطق حكومة إقليم كردستان في شمال العراق ثم إلى أوروبا، حيث لديهم أساساً شبكات هجرة جاهزة لاستقبالهم.
في الوقت الحالي، تعارض روسيا والولايات المتحدة خطة تركيا، ويعود السبب جزئياً إلى أنها ستؤدي إلى شنّ هجوم آخر ضد الأكراد، وبسبب التكاليف المالية التي تتطلبها إعادة التوطين المقترحة أيضاً. وحتى لو تمّ تذليل هاتين العائقتين الرئيسيتين، يبقى الواقع القائم أن المناطق العازلة المقترحة لن تكون قادرة على استيعاب ما يقرب من 2.5 مليون سوري عالقين في إدلب -حيث قد يحصل بضع مئات الآلاف فقط على أكثر تقدير على دعم. وهكذا، سيظل غالبية المدنيين في إدلب عالقين على أبواب الجدار الحدودي التركي ومعرضين لتهديد الجيش السوري ذي الميول الانتقامية المحتملة، وعرضةً للجماعات الجهادية التي ستسعى على الأرجح إلى الاستفادة من إدارة الملاذ الصغير المتبقي.
في ذلك الحين، ستواجه دول الاتحاد الأوروبي موجة مزدوجة محتملة من اللاجئين؛ حيث ستكون الأولى متصاعدة ومؤلفة من الأكراد الذين ينتقلون تدريجياً من كردستان العراق إلى أوروبا. وستكون الثانية فجائية على الأرجح وأكثر قسوة -فتركيا لا يمكنها احتواء الضغوط الناجمة عن 2.5 مليون شخص إلى الأبد، وبالتالي ستكون الانتهاكات العنيفة لجدارها في إدلب حتمية.
من جهتها، سعت روسيا إلى إقناع الأوروبيين بأن هناك خياراً ثالثاً، يتمثل بشكل رئيسي في إصدار دمشق عفواً شاملاً وتقديمها ضمانات أمنية لجميع سكان المحافظة، مع تسهيل هذه التنازلات بمساعدة مالية سخية من الاتحاد الأوروبي ورفع العقوبات ضد دمشق. غير أن هذه الفكرة لم تلق تأييداً في أوروبا، ويرجع ذلك جزئياً إلى سجل نظام الأسد المعروف في الإخلال بمثل هذه الضمانات ومواصلة معاملته الوحشية للسوريين النازحين.
وإلى أن يتم حل هذه المسائل، سيستمر تنامي التهديد بزحف جديد للاجئين نحو دول الاتحاد الأوروبي، مما سيدفع بعض الدول إلى النظر في وسائل لتعزيز أمن حدودها -على سبيل المثال، اقترحت اليونان بناء جدران عائمة في بحر إيجه لمنع مهاجري القوارب. ومن هذا المنطلق، قد يلعب مسار الأحداث في إدلب دوراً حاسماً في معضلة أوروبا الأكثر إلحاحاً: كيف يمكن الحفاظ على مبادئها الإنسانية، والإبقاء على أمنها ووحدتها في الوقت نفسه.

*أستاذ مساعد في “جامعة ليون 2″، وزميل مساعد في معهد واشنطن، ومؤلف الدراسة بعنوان “الطائفية في الحرب الأهلية السورية: دراسة جيوسياسية”.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock