آخر الأخبار حياتناحياتنا

فتيات من ذوي الإعاقة.. نظرة المجتمع تهدم أحلامهن بالحب والزواج!

ربى الرياحي

عمان– قيود مجتمعية كثيرة تبدد أحلام فتيات قدر لهن أن يعشن محرومات من الحب ومن الاستقرار العاطفي المرتبط بالزواج، وذلك لكونهن ذوات إعاقة.
أحكام مجحفة وقاسية ما يزال حتى اليوم يصدرها المجتمع بأكمله بحقهن فقط لمجرد أنهن يردن أن يمارسن حياتهن بشكل طبيعي كغيرهن بعيدا عن كل تلك الاعتقادات الخاطئة والتصورات السطحية التي تعتقد غالبا، إن لم يكن دائما، فشل هؤلاء الفتيات في قدرتهن على تكوين أسرة سعيدة ومستقرة.
حاجتهن للدفء والأمان والسند تدفعهن لأن يتحدين جهل المجتمع وتجريمه لهن بالرفض والانتقاص من إمكاناتهن، وكأنهن لسن أهلا لأن يقمن بدور الزوجة والأم كما يجب، هن وبكل الحب الذي يحملنه بدواخلهن، وذلك الإصرار والتصميم على إثبات أنفسهن قادرات على أن يواجهن العالم بأسره ويصنعن من الفقد تميزا ويحاربن تلك العقول التي تستنكر عليهن هذا الحق وتحاول إخضاعهن لهشاشة تلك الأفكار التي تتبناها تجاههن من دون وجه حق.
قسوة واقعها وقلة الوعي وأيضا التجرؤ على إصدار الأحكام المسبقة في حقها، أمور حاربت رغبة العشرينية ناهد بالزواج وبتأسيس أسرة قوامها الحب والتفاهم والاحترام، هي ولأنها تفتقد القدرة على المشي منذ أن كانت في الثالثة عشرة من عمرها نتيجة تعرضها لحادث سير، قرر المحيطون بها وبدون أدنى شعور بالذنب أن يستثنوها من هذا الموضوع تحديدا.
لكن ناهد، وباعتبارها شخصية قوية وناجحة في كل شيء، تحب الحياة وترفض أن تستسلم للنظرة النمطية التي يسعى البعض لترسيخها ضدها كونها فتاة ذات إعاقة وجدت أن عليها أن تتمسك بحقها بأن تتساوى مع غيرها من الفتيات.
هي آمنت بنفسها كثيرا ولم تتأثر مطلقا ولم تتراجع عن حلمها في أن تعيش مع الشخص الذي يتوافق معها روحيا وفكريا حياة زوجية مستقرة، وفعلا تعرفت على ذلك الشخص الذي رأت فيه فارس أحلامها في إحدى الندوات الثقافية التي تحرص على حضورها دائما.
شعورها بأنها التقت بنصفها الثاني الذي كان يشبهها لدرجة كبيرة جعلها لا تكترث لأي عقبات، هي اعتقدت أن التميز الذي تتمتع به سواء في شخصيتها أو وظيفتها كاف لأن يكسبها موافقة أهله، لكنهم جابهوا الموضوع بالرفض القاطع معترضين على ارتباط ابنهم بفتاة ذات إعاقة، فهو من وجهة نظرهم كامل من جميع النواحي لا ينقصه شيء، بالإضافة إلى مخاوفهم المقترنة بالإنجاب وبتفاصيل تتعلق بالعلاقة الزوجية.
خجلهم من الفكرة أمام أقاربهم وأصدقائهم دفعهم لمحاصرة ابنهم والضغط عليه ليتراجع عن قراره فكان لهم ما أرادوه. ناهد تألمت لكونها خذلت من الشخص الذي وثقت به ورأته مختلفا لكنها بالرغم من ذلك أبت أن تيأس، هي ظلت مصرة على أن الأجمل لم يأت بعد.
الثلاثينية هناء مازن لم ترضخ للعقبات المجتمعية التي تحيط بها بسبب إعاقتها البصرية وتحديدا في موضوع الزواج، إحساسها بأنها على قدر المسؤولية ومن حقها أن تكون مستقرة عاطفيا واجتماعيا دفعها لأن تتجاوز كل النظرات المستهينة بحاجتها للارتباط مع شخص يحبها وتحبه ويكون سندها في الحياة وتتشارك معه أدق التفاصيل بحلوها ومرها.
هناء استطاعت أن تتمرد على “حماقة” ذلك التفكير الذي يدينها فقط لمجرد أنها واثقة من قدراتها شغوفة بالحياة تستشعر جمال ما حولها بقلبها الذي يبصر ما لا يبصره الآخرون، هي تمكنت من أن تحقق حلمها بالزواج منتصرة على كل الصعوبات الاجتماعية.
تقول إن ارتباطها بشخص فاقد للبصر مثلها أمر لم يكن هينا، واجها حتما معارضة من قبل بعض الأهل، لكن إصرارهما على أن يتحديا الواقع ساعدهما كثيرا على التصدي لكل الذين راهنوا على فشلهما ورأيا أن حياتهما معا ستكون جحيما ولن تستمر طويلا.
وتتابع أن الزواج قرار شخصي ليس من حق أحد التدخل فيه لأنه بالنهاية كل شخص مسؤول عن خياراته، ومهما كان خوف الأهل وحرصهم على مصلحة أبنائهم هو المبرر لتدخلهم، إلا أن ذلك لا يلغي أبدا حقيقة أنه لا أحد بإمكانه أن يعيش عن الآخر، لذا فمن الضروري احترام الأهل رغبة أبنائهم وعدم معارضتها بسبب قناعات مجحفة قد لا يكون لها أساس من الصحة.
وتبين هناء أنها اليوم تعيش بسعادة غامرة مع زوجها وطفلتيهما التوأمين، لافتة إلى أنها تقوم بجميع شؤون منزلها من طبخ وتنظيف ورعاية بدون مساعدة من أحد إلى جانب عملها كمعلمة، فهي قادرة على أن تؤدي كل أدوارها بإتقان باعتمادها على حواسها الأخرى، مؤكدة أن جهل الناس بطبيعة الحياة التي يعيشها الشخص الكفيف لا ينفي أبدا أن لديه إمكانات مميزة تؤهله لأن يكون كغيره جديرا بالحياة.
وتتفق معها إيناس التي يؤلمها جدا استثناء الفتيات ذوات الإعاقة من حقهن بالزواج، فهي واحدة من كثيرات حرمت من أن تكون زوجة وأما بسبب إعاقتها البصرية، تجريمها بذنب لم تقترفه جعلها تنسحب رغما عنها من الحياة، وتفتقد لأبسط مظاهر الفرح، هي اليوم تعيش وبداخلها جرح عميق ما يزال ينزف بسبب تخلي الشخص الذي اختارته ليكون شريكها في كل شيء عنها. رفض أهله لها رغم أن لهما الوضع نفسه أشعرها بالظلم والقهر وأثر على جميع مناحي حياتها.
إيناس لم تعد كما كانت شعلة تنبض بالحياة والأمل، بل باتت شخصية منطفئة حزينة تميل للعزلة لا تجد من يفهمها. هي ولكونها إنسانة عاطفية وحساسة تتلهف للاستقرار مع شخص يقدر مشاعرها المترفة، ولذلك الأمان الذي يعطيها الثقة بأن هناك ما يستحق أن يعاش في هذه الحياة الصعبة. يضايقها استخفاف البعض بإحساسها بل وأكثر من ذلك يؤذيها استنكارهم لإصرارها على ذلك الحق الذي يحميها من أن تبقى وحيدة.
ويذهب الأخصائي الاجتماعي الأسري مفيد سرحان إلى أن ذوي الإعاقة من الفئات الاجتماعية التي يجب أن تحظى بالرعاية والاهتمام في المجالات كافة، والزواج من أكبر التحديات التي تواجه هذه الفئة، والنظرة السلبية لفتاة من ذوات الإعاقة تؤثر على فرصتها في الزواج، فهو حاجة أساسية فطرية، وللفتيات ذوات الإعاقة حقوق لا بد لهن من الحصول عليها ليتمكن من العيش حياة كريمة تضمن لهن الاستقرار الاجتماعي والعاطفي، وذلك من خلال منحهن الفرص كغيرهن في أن يؤسسن أسرة قائمة على الحب والاحترام والتفاهم ما دام ذلك لا يؤثر على حقوق الآخرين.
ومن واجب المجتمع ومؤسساته مساعدتهن معنويا على تغيير النظرة السلبية تجاههن، مبينا أن بعض الإعاقات لا تمنع الشخص من الزواج من الناحية الصحية ومثل هؤلاء يمكن أن يتزوجوا بعد أن يقرر الطبيب المختص ذلك، ووضع الطرف الآخر في تفاصيل الحالة الصحية سواء كان ذكرا أو أنثى، وفي حال وجود مشكلة بسيطة لا تؤثر على جوهر الحياة الزوجية، فإن من واجب المجتمع أن يقدم الدعم لإنجاح هذا الزواج واستمراريته.
وزواج الأشخاص من ذوي الإعاقة يسهم في تأمين مستقبلهم وتوفير الطمأنينة والراحة النفسية والاستقرار العاطفي والأسري، خصوصا الفتاة ذات الإعاقة. وإنجاب أبناء أصحاء سيكون له أثر كبير في مساعدة الأبوين على القيام بأعباء الحياة. وقد اهتمت جمعية العفاف الخيرية بزواج ذوي الإعاقة؛ حيث نظمت ندوات عدة وأصدرت كتابا خاصا تناول الموضوع من النواحي الصحية والاجتماعية والشرعية والنفسية والقانونية بهدف توعية المجتمع بحقوق هذه الفئة وتغيير النظرة النمطية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock