آخر الأخبار حياتناحياتنا

العنف الجسدي والنفسي.. هل المرأة “الحلقة الأضعف” بجائحة “كورونا”؟

مجد جابر

عمان- لم يتوقف العنف ضد المرأة يوما، ولطالما كانت القصص “المؤلمة” بتعرض النساء لأصعب أنواع الإساءة الجسدية والنفسية تنتشر مجتمعيا، رغم الجهود التي تبذل من جهات عديدة لحمايتهن من أشكال الظلم كافة الذي يتعرضن له.
غير أن عام كورونا لم يكن عاديا، إذ شهد أيضا تزايدا بأشكال العنف الذي تتعرض له المرأة، وكأنها الحلقة الأضعف التي عليها أن تتحمل من عائلتها كل أنواع التهديد الجسدي والنفسي واللفظي.
جرائم عديدة هزت الشارع الأردني عبر أعوام مضت، لنساء تعرضن لأبشع أنواع التعنيف من قبل الزوج أو أحد الأشقاء، ما يفتح الباب من جديد على العوامل المجتمعية الخطيرة التي تزيد من العنف.
الباحث والمستشار في قضايا العنف ضد المرأة عاكف المعايطة، يبين لـ”الغد” أن حالات العنف ضد المرأة تزايدت مع أزمة “كورونا”، خصوصا مع تواجد أفراد الأسرة أوقاتا طويلة معا، وزيادة الاحتكاك، ما يزيد من حجم المشكلات، كما أن هناك الكثير من الأشخاص الذين سرحوا من أعمالهم وقطاعات كثيرة أغلقت، وتضاعفت الضغوطات، ليفرغ الشخص كل ضغوطاته للأسف بـ”أهل بيته”.
ويعتبر المعايطة أن هذه المعطيات رفعت من مستوى الجريمة، كما أن “حظر الجمعة” حينها زاد من حالات النساء اللواتي يتعرضن للعنف، مبينا أنه تابع بصفة شخصية حالات عدة تعرضت للعنف بأشكاله، ليكون العامل المشترك بينهن التواجد أوقاتا طويلة في البيت مع زيادة ساعات الحظر، وتعطيل القطاعات، وفقدان أحد الأزواج عمله، وانخفاض الدخل، ما زاد من حدة الصدامات. ويشير المعايطة إلى أنه ومهما تعددت الأسباب ليس هنالك مبرر لأي شكل من أشكال العنف ضد المرأة، لافتا إلى أننا بحاجة الى توعية قانونية، وهو ما كان وزملاؤه يقومون به من خلال برنامج “التوعية القانونية في مجال العنف الأسري”، عبر الذهاب للمحافظات وعلى المراكز والجمعيات لتقديم التوعية والتثقيف بكل أشكاله، وتفسير المفاهيم الخاطئة لمن يعتبها البعض ذريعة، غير أن إجراءات الحكومة في “كورونا” منعت الفريق من إتمام المهمة.
ويقول المعايطة “إننا بحاجة كبيرة للحملات التوعوية التي تناهض العنف ضد المرأة، كذلك تفعيل أكبر لدور إدارة حماية الأسرة من خلال الرقابة والحملات التثقيفية وعدم التدخل فقط بعد وقوع الجريمة”.
وكانت تقارير محلية ودولية، رجحت أنه “رغم الزيادة الملحوظة في نسب العنف الأسري نتيجة للتبعات الاجتماعية للجائحة، إلا أن عددها تراجع لأسباب تتعلق بصعوبة وصول الضحايا لخدمات الحماية وإقامتهن الجبرية مع المعنفين خلال الحظر الشامل”.
ووصل عدد من تعاملت معهن المكاتب بإدارة حماية الأسرة في أشهر آذار (مارس) ونيسان (ابريل) وأيار (مايو) 1685 حالة، ممن تعرضن للعنف الأسري.
وكان قد وصل عدد حالات العنف ضد النساء والفتيات في النصف الأول من العام الماضي وتعاملت إدارة حماية الأسرة معها إلى 4678، غالبيتها حالات عنف جسدي. وبحسب إحصائية، سجلت 2398 حالة عنف ضد بالغات دون الـ60 من العمر، في حين سجلت 32 ضد مسنات، و2243 ضد طفلات.
وكانت جائحة “كورونا” قد تسببت بزيادة ملحوظة في حالات العنف الأسري وفق دراسات إحصائية، سجلت 4648 حالة عنف نفسي ضد نساء وفتيات، و3333 حالة عنف جسدي، و581 حالة عنف جنسي، و505 حالات إهمال.
وفي مقابل هذه الأرقام، تعاملت مكاتب الخدمة الاجتماعية بوزارة التنمية الاجتماعية في الأشهر التسعة الأولى من العام الماضي مع 7988 حالة عنف أسري ضد النساء والأطفال، بينما دخلت في الفترة ذاتها 67 منتفعة الى دار آمنة لحماية النساء المعرضات للخطر وخرجت منها 69 امرأة، أما دارا وفاق عمان وإربد، فسجلت الأولى دخول 160 امرأة لقسم الطوارئ و39 طفلا، والثانية دخلها 106 نساء و30 طفلا.
وكانت نتائج مسح لصندوق الأمم المتحدة للسكان بالتعاون مع معهد العناية بالصحة الأسري، كشفت زيادة العنف الأسري خلال الحظر إلى 69 %.
وأظهر تقييم رافق الإحصائية، أن نحو 69 % من المشاركين، بينوا أن العنف المبني على النوع الاجتماعي ارتفع منذ بداية الجائحة، وأن العنف النفسي والجسدي -ويرتكبه غالبًا الزوج، أو فرد من العائلة، الأكثر شيوعاً للعنف المبني على النوع الاجتماعي، ما يؤكده ارتفاع بلاغات ارتفاع العنف ضد النساء والفتيات.
مستشار الطب الشرعي والخبير في حقوق الإنسان والوقاية من العنف الدكتور هاني جهشان، يذهب إلى أن العنف ضد المرأة يأخذ أشكالا عدة اعتمادا على العلاقة بين الضحية والجاني، فأكثرها شيوعا العنف الجسدي والنفسي من قبل الزوج ضد زوجته، والعنف ضد الفتاة غير المتزوجة من قبل والدها أو إخوتها بسبب التشكيك في سلوكها وما عرف بجرائم الشرف، وهناك العنف والتحرش الجنسي في المرأة في الطرق العامة أو أماكن العمل.
ووفق جهشان، تختلف عوامل الخطورة لكل فئة من النساء المشار لهن أعلاه، لكنها جميعها تتقاطع في عوامل خطورة مشتركة تم تحليلها من قبل منظمة الصحة العالمية في مصفوفة النموذج البيئي لعوامل الخطورة المؤدية للعنف ضد المرأة.
إن تحليل سبب تفاقم العنف ضد المرأة مؤخرا ينحصر في سببين رئيسيين؛ الأول، تفاقم عوامل الخطورة في المجتمع المحيط بالمرأة، والآخر، هو فشل الجهات المسؤولة ومؤسسات المجتمع المدني في التعامل مع عوامل الخطورة هذه.
وبالنسبة لمصفوفة النموذج البيئي، فلا يوجد عامل واحد معين يفسر أسباب العنف لأن للعنف جذوراً متداخلة تتضمن الكثير من العوامل البيولوجية والاجتماعية والثقافية والسياسية، وقد يؤدي عامل واحد من هذه العوامل إلى إحداث نمط من أنماط العنف وقد تكون بعض هذه العوامل أو كلها متشاركة معاً في إحداث ذلك.
ويستخدم التقرير العالمي حول العنف والصحة النموذج البيئي (الإيكولوجي) لمحاولة فهم المؤثرات والعوامل المتعددة المسببة للعنف، يتميز هذا النموذج بأنه يقدم إطاراً يوضح تشابك هذه المؤثرات والعوامل وتداخلها، كما يساعد على دراسة العوامل التي تؤثر على السلوك وتزيد من احتمال خطر ارتكاب العنف أو الوقوع ضحية له، وذلك بتقسيمها إلى أربعة مستويات.
المستوى الأول: العوامل المتعلقة بالأفراد، ويلفت جهشان، في تصريحات خاصة لـ”الغد”، إلى أن مرتكب العنف يتصف بشعور متأصل بالعجز عن إقامة العلاقات الاجتماعية السوية وتقبل أي مظهر من مظاهر عدم التبعية أو الاستقلالية من قبل أطراف العلاقة الآخرين، فيلجأ للسلوك العدواني للتغلب على هذا الإحساس واستعادة الشعور بالقوة والسيطرة المفترضة، وأيضا يعتبر مرتكبو العنف أن أفراد أسرهم ضمن ملكيتهم الخاصة ويتصفون بالضعف في مهارات التواصل، وبدرجة عالية من الغضب والعدوانية أو خلل في الشخصية مثل الشخصية النرجسية والسلبية والاتكالية، وفي بعض الأحيان يكون العنف مرتبطا بمعاناة المعتدي من الشخصية العدوانية أو أمرض عقلية ذهانية.
إلى ذلك، فإن وجود الأفراد داخل العلاقة الأسرية تفرض درجة عالية من الالتزام والاهتمام بكل نواحي حياتهم، إلا أنها قد تؤدي إلى مواقف خلافية يمكن أن تتسبب بالعنف وهي اختلاف الأجيال بين الآباء والأبناء، وتعارض التوجهات والاهتمامات والأدوار التي يفرضها اختلاف الجنس داخل الأسرة، وانعدام خضوع العلاقة بين أفرادها للضوابط الاجتماعية في حالة حدوث خلل في هذه العلاقة.
وكثيرة هي العوامل التي تزيد من احتمالية ممارسة العنف داخل الأسرة، بحسب جهشان، منها الفارق الكبير في العمر بين الزوج والزوجة، الأسرة التي تكون فيها المرأة أكثر تحصيلا علميا أو مهنيا من الرجل، الأسرة التي تعاني من ضغوطات اقتصادية أو اجتماعية شديدة وذات المستوى المعيشي المتدني، والأسرة التي تعاني خلافات زوجية حول التحكم بمجريات الأمور داخلها.
وينوه جهشان الى أن الأعراف الثقافية تدعم اللجوء للعنف كطريقة لحل الخلافات، مثل التقاليد والأعراف التي تدعم سطوة الرجال على النساء والأطفال من داخل العائلة والتي تحمل الرجال مسؤولية تربية وتأديب الأطفال والنساء وتعطيه الحق في استعمال القوة المطلوبة لفعل ذلك، الضغوطات الاجتماعية التي تفترض أن استمرار الحياة الأسرية والعلاقة الزوجية مسلم به، ما يجعل محاولة الخروج من إطارها في حالة التعرض للعنف صعبا أو مستحيلا في بعض الأحيان.
ويضيف أن تفاقم حالات العنف ضد المرأة يعكس ضعف الخدمات الاجتماعية بالاكتشاف المبكر للحالات وعدم تقبل المجتمع للإرشاد النفسي والعلاج النفسي والإرشاد الزواجي، وعند اكتشاف الحالات ووصولها لإدارة حماية الأسرة فإن الإرشاد النفسي والاجتماعي عادة ما يكون متعثرا، ما يؤدي إلى تكرار تعرض الزوجة للعنف، ومما يفاقم الأمور أن خدمات الطب النفسي التي تقدمها وزارة الصحة ليست في أفضل أحوالها ولا تقدم خدمات طب نفسي متكاملة من الناحيتين النفسية والاجتماعية.
وتأتي عوامل الخطورة الاجتماعية والمتعلقة بالثقافة السائدة بالمجتمع حول دونية المرأة وأنها تستحق العقاب من قبل زوجها وعدم تكافؤ الفرص بين الرجل والمرأة وغياب المساواة، كل ذلك يحتاج لبرامج تمكين وتغيير الثقافة السلبية السائدة بالمجتمع وهذا يجب أن يخطط لها وتنفذ باستدامة.
ويشير جهشان إلى أن العنف ضد المرأة ليس أمرا حتميا وليس قضاء وقدرا، فهو نتاج عوامل خطورة يمكن السيطرة عليها وهي قابلة للتغيير، ومواجهة العنف ضد المرأة ليست مهمة اختيارية أو هامشية، وإنما يجب أن يستجاب له وللوقاية منه بالتنسيق بين جهات متعددة القطاعات، والحكومة هي في طليعة هذه القطاعات المتعددة وضامنة للتنسيق بينها وتعمل على رصد أدائها وهي المسؤولة عن المساءلة عند الإخفاق.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock