ترجمات

الغرب: ازدراء الحرية

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

تييري ميسان* – (شبكة فولتير) 24/11/2021

كنتُ قد نشرت في العام 2002 مادة بعنوان “11/9: الكذبة الكبيرة”، وهي دراسة في العلوم السياسية أثارت التساؤلات حول الرواية الرسمية عن هجمات نيويورك وواشنطن وبنسلفانيا، وتوقعتُ فيها، إضافة إلى ذلك، التوجه السياسي الجديد للولايات المتحدة: المراقبة المعممة للمواطنين، والهيمنة على الشرق الأوسط الكبير.

وبعد مقال نُشر في صحيفة “نيويورك تايمز”، أعربت فيه عن استغرابي من التأثير الذي أحدثتُه الدراسة في فرنسا، أوكلَت وزارة الدفاع الأميركية إلى الموساد الإسرائيلي مهمة تصفيتي. لكن الرئيس جاك شيراك، الذي طلب من أجهزة مخابراته الخاصة التأكد من أطروحتي، قام بالدفاع عني.

خلال محادثة هاتفية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي في ذلك الوقت، أرييل شارون، أبلغه أن أي عمل يوجه ضدي -ليس في فرنسا فحسب، ولكن في جميع أراضي الاتحاد الأوروبي- سيتم تفسيره على أنه عمل عدائي ضد فرنسا.

كما عيّن أحد مساعديه لمراقبتي وإبلاغ أي دولة غير أوروبية تنوي دعوتي بأنهم سيتحملون المسؤولية عن أمني. وفي الواقع، في جميع البلدان التي دُعيت فيها، تم تزويدي بمرافقة مسلحة.

ومع ذلك، في العام 2007، جاء الرئيس نيكولا ساركوزي إلى السلطة خلفاً لشيراك. وفقًا للمسؤول رفيع المستوى الذي عيّنه جاك شيراك ليكون مسؤولاً عن أمني، فقد وافق الرئيس الجديد على طلب واشنطن أن تتصرف المديرية العامة للأمن العام الخارجي في فرنسا للتخلص مني.

وعندما تلقيت هذا التحذير، حزمت حقيبتي على الفور وهربت إلى المنفى. وبعد يومين، وصلت إلى دمشق، حيث مُنحت حماية الدولة.
بعد بضعة أشهر، قررت الاستقرار في لبنان حيث تلقيت عرضًا لتقديم برنامج أسبوعي باللغة الفرنسية على قناة “المنار” التي يديرها “حزب الله”.

لكن هذا المشروع لم ير النور قط، إذ تخلت “المنار” عن فكرة البث باللغة الفرنسية، على الرغم من كونها لغة رسمية في لبنان.

وكان ذلك عندما أطلقت وزيرة العدل الفرنسية في ذلك الحين، ميشيل أليو ماري، تفويضاً قضائياً ضدي بحجة أن الصحفي غليوم داسكي، الذي كان قد كتب مُسبقاً كتابًا يشوه فيه سمعي، اتهمني بالتشهير. ولم يكن لبنان قد شهد وضعا مماثلا منذ أكثر من 30 عاما.

وأصدرت الشرطة استدعاءً لي، ولكن كان من الواضح أن هذا الإجراء لا أساس له في القانون الفرنسي. وقد حماني في تلك الفترة حزب الله، وقررت أن أختفي. وبعد أشهر حاول رئيس الوزراء فؤاد السنيورة نزع سلاح المقاومة، لكن حزب الله قلب ميزان القوى.

ثم قدمت نفسي أمام قاضٍ في لبنان وسط تهليل الشرطة التي كانت ما تزال تبحث عني حتى ثلاثة أيام قبل ذلك. وكشف لي القاضي أن رسالة ميشيل أليو ماري احتوت على شروح مكتوبة بخط اليد، تشير إلى أنها طلبت من نظيرها اللبناني إلقاء القبض علي واحتجازي في السجن لأطول فترة ممكنة بينما تتابع القضية مسارها في فرنسا.

وقد استندَت في ذلك إلى الممارسة القديمة من الرسائل الموقعة من ملك فرنسا والمختومة بالختم الملكي، المعروفة باسم “خطابات الختم” lettres de cachet، والتي تمنح التفويض بسجن المعارضين السياسيين من دون حكم. وقرأ قاضي الإنابة القضائية الرسالة عليّ، وشجعني على الرد عليها شخصيًا كتابةً.

وأشارت إلى أنه بموجب القانونين الفرنسي واللبناني، فإن المقالة المثيرة للجدل كانت كتبت قبل وقت بعيد، وأنه لا يوجد فيها أي تشهير بأحد على أي حال.

وأودعت نسخة من رسالة ميشيل أليو ماري ومن ردي في محكمة النقض في بيروت.

بعد بضعة أشهر، كنت في حفل عشاء استضافته شخصية لبنانية بارزة.

وكان أحد مساعدي الرئيس ساركوزي الذي يمر عبر لبنان حاضراً في الحفل أيضاً.

وخضنا، هو وأنا، مواجهة ساخنة حول مفاهيم كل منا عن العلمانية.

وبينما يُطمئن الضيوف الآخرين إلى أنه لم يكن يهرب من النقاش، غادر الرجل المحترم ليلحق الطائرة عائداً إلى باريس والإليزيه.

وفي اليوم التالي، استدعاني قاض لأمر إداري.

ومع ذلك، بينما كانت سيارتي على بعد دقيقتين فقط من مكان اللقاء، تلقيت مكالمة هاتفية من مكتب الأمير طلال أرسلان تخبرني بأنني كنتُ، وفقًا لحزب الله، على وشك السير إلى فخ، واضطررت إلى الالتفاف على الفور.

وحدث أن ذلك اليوم كان يصادف الذكرى السنوية لميلاد النبي محمد، وباستثناءات قليلة جدًا، لم يكن الكثير من المسؤولين يعملون في ذلك اليوم.

وكان فريق من مديرية الأمن الخارجي الفرنسية قد نصب كميناً لاختطافي وتسليمي إلى وكالة المخابرات المركزية الأميركية. وكان الذي نظم العملية هو المستشار الرئاسي الذي تناولت العشاء معه في الليلة السابقة.

بعد ذلك، تعرضت لمحاولات اغتيال عديدة، ولكن كان من الصعب علي تحديد القائمين على رعايتها.

على سبيل المثال، في مؤتمر في كاراكاس نظمته وزارة الثقافة الفنزويلية، سحبني حارس أمن الرئيس تشافيز فجأة من المنصة حيث كنت ألقي خطابًا؛ ثم تمت مرافقتي بثقل إلى غرفة خلف الكواليس من أجل سلامتي.

وبالكاد كان لدي الوقت لإلقاء نظرة خاطفة على بعض الرجال في القاعة وهم يسحبون أسلحتهم. وكان كلا المعسكرين يهددان بعضهما بعضا. ولو انطلقت طلقة واحدة فقط لكن يمكن أن تحدث مذبحة.

وبينما كنت ما أزال في كاراكاس، دُعيت إلى تناول العشاء مع مرافقي. وعندما وصلت أطباقنا، لم يكن صديقي جائعاً كثيراً، لذلك تبادلنا الأطباق بحذر لأنني، لسبب غامض، تلقيت قدراً من الطعام أقل بشكل واضح من معظم الناس الحاضرين.

وعند العودة إلى الفندق، أصيب مرافقي فجأة بالارتجاف وفقدان الوعي، وأخذ يتدحرج على الأرض بينما يخرج الزبَد من فمه.

وعندما وصل الأطباء، صرخوا على الفور: هذا الرجل تعرض لتسميم. وتمكنوا من إنقاذه في الوقت المناسب. وبعد ذلك بيومين، جاء عشرات من ضباط المخابرات البوليفارية بالزي الرسمي للاعتذار ولإعلامنا بأنهم تعرفوا على العميل الأجنبي الذي يقف وراء العملية.

واستغرق الأمر صديقي، الذي أصبح الآن في كرسي متحرك، ستة أشهر حتى يتعافى.

وفي مرحلة لاحقة، بدءًا من العام 2010، أصبحت الهجمات تضم دائمًا الجهاديين.

على سبيل المثال، نصب أحد أتباع الشيخ أحمد الأسير كمينًا لمرافقي وحاول قتله.

ونجا بفضل تدخل ميليشيا الحزب السوري القومي الاجتماعي، واعتقل حزب الله المعتدي وسلمه للجيش اللبناني ثم حوكم وحكم عليه.

وفي العام 2011، دعتني عائشة، ابنة معمر القذافي، إلى ليبيا. وكانت قد سمعتني وأنا أتحدث في تلفزيون عربي طويلاً ضد والدها، وأرادت أن أذهب إلى هناك حتى أغير رأيي. وكان هذا بالضبط ما حدث.

أدى شيء إلى شيء آخر، وانضممت إلى الحكومة الليبية وكُلفت بالمسؤولية عن التحضيرات لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وعندما هاجم حلف شمال الأطلسي الجماهيرية العربية الليبية، كنت في فندق “ريكسوس”، الذي كان مركز إقامة الصحافة الأجنبية. وفي تلك الفترة، قام “الناتو” بسحب الصحفيين الذين تعاونوا مع الحلف من ليبيا، لكنه لم يتمكن من إجلاء الذين كانوا في داخل فندق “ريكسوس”، لأن خميس، الابن الأصغر للقذافي، دافع عنه.

كان يقيم في قبو الفندق حيث تم إغلاق المصاعد. وحاصر الجهاديون الليبيون، الذين شكلوا لاحقًا “الجيش السوري الحر” بقيادة مهدي الحاراتي وبإشراف القوات الفرنسية، الفندق وقتلوا أي شخص يقترب من النوافذ.

وفي النهاية، جاء الصليب الأحمر الدولي لاصطحابنا وأخذنا إلى فندق آخر حيث كان البلد ينتظر الحكومة الجديدة.

وفي الفندق الجديد، جاء اثنان من الحرس الثوري الإيراني لمقابلتي كان قد أرسلهما الرئيس محمود أحمدي نجاد ونائب الرئيس حميد باغي لإنقاذي.

لكنهما غادرا البلد، معتقدَين أن الأمور كانت تحت السيطرة.

ومع ذلك، تم توزيع نشرة في جميع أنحاء المدينة فيها صورة لدزينة من المطلوبين: أحد عشر ليبيًا وأنا. وبدأت مجموعة من “الثوار” بالبحث عني في الفندق.

وأنقذني أولاً صحفي من محطة “روسيا اليوم”، حيث خبأني في غرفته ولم يسمح لـ”الثوار” بالدخول، ثم ساعدني صحفيون آخرون، بمن فيهم واحد من قناة “تي. أف-1” التلفزيونية الفرنسية.

وبعد سلسلة من المغامرات، والهروب من الموت عشرات من المرات، تمكنت من الهروب مع نحو أربعين شخصاً آخرين، على طريقة أهل القوارب الفيتناميين، في قارب صيد صغير متجه إلى مالطا وسط سفن حربية تابعة لحلف شمال الأطلسي.

وعندما وصلنا إلى فاليتا، كان رئيس الوزراء وسفراء المواطنين الموجودين على متن القارب في انتظارنا. الكل ما عدا سفير فرنسا.

عندما بدأ “الربيع العربي” في سورية –وهو العملية السرية التي رعتها بريطانيا لوضع “الإخوان المسلمين” في السلطة- عدت إلى دمشق لمساعدة أولئك الذين رحبوا بي لمدة أربع سنوات في وقت سابق.

وهناك، مررت بمواجهات عدة عن قرب مع الموت، لكنها كانت حالة حرب هناك. ولكن، في إحدى المرات كنت هدفاً مباشراً للجهاديين.

خلال إحدى هجماتهم على دمشق، حاول “الثوار” الذين تلقوا دعمًا رسميًا من الرئيس فرانسوا هولاند، اقتحام مسكني في عملية اجتياح عاصفة.

وتصدى لهم الجيش السوري بوضع مدفع هاون على سطح المبنى.

كان هناك نحو مائة منهم مقابل خمسة جنود.

لكنهم أجبروا على الانسحاب بعد ثلاثة أيام من القتال.

ولم يكن بينهم سوريون، وإنما فقط باكستانيون وصوماليون من دون أي تدريب عسكري.

وأستطيع أن أتذكر هتافهم “الله أكبر”!، الذي رددوه بشكل هستيري وهم يهاجمون منزلي.

وحتى يومنا هذا، عندما أسمع هذا النداء النبيل، ما تزال تجتاحني قشعريرة.

عدت إلى فرنسا في العام 2020 للانضمام إلى عائلتي.

وأكد لي العديد من أصدقائي أن الرئيس إيمانويل ماكرون لم يمارس الاغتيالات السياسية مثل أسلافه.

ومع ذلك، لم أكن حراً.

تلقت هيئة الجمارك بلاغًا مفاده أن الحاوية البحرية التي تضم متعلقاتي الشخصية ومتعلقات مرافقي تضمنت أسلحة ومتفجرات.

وقد اعترضتها السلطات وأرسلت نحو أربعين مسؤولا لتفتيشها.

كان ذلك فخاً نصبه عملاء أجانب.

وسمحت الجمارك لإحدى الشركات بإزالة العناصر التي تم استخراجها، وهو إجراء استمر ليومين تم خلالهما نهب الحاوية وإتلاف متعلقاتي.

واختفت في الأثناء جميع الوثائق التي جلبناها معنا.

وليست قضيتي حالة منعزلة.

لقد أصبح جوليان أسانج أيضًا هدفًا للولايات المتحدة عندما كشف النقاب عن نظام “القبو 7” Vault 7، الذي يسمح لوكالة المخابرات المركزية بخرق أي جهاز حاسوب أو هاتف محمول.

وأدار مدير وكالة المخابرات المركزية، مايك بومبيو، عمليات عدة، بتواطؤ من المملكة المتحدة، بهدف إما اختطافه أو اغتياله.

ومرة أخرى، عندما نشر إدوارد سنودن عددًا من الوثائق التي كشفت للعالم أن وكالة الأمن القومي كانت تنبش في حياة كل مواطن، احتشد جميع أعضاء “الناتو” ضده.

وذهبت فرنسا إلى حد إغلاق مجالها الجوي في وجه الطائرة التي كانت تقل الرئيس البوليفي، إيفو موراليس، معتقدة أن سنودن على متنها. وهو اليوم لاجئ في روسيا.

لم تعد الحرية تعيش في الغرب.

*Thierry Meyssan: مستشار سياسي، رئيس ومؤسس “شبكة فولتير”، Réseau Voltaire. أحدث عمل له باللغة الإنجليزية “أمام أعيننا، الحروب الوهمية والأكاذيب الكبيرة: من 11 سبتمبر إلى دونالد ترامب”، “بروغريسف برس”، 2019.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The West, A Mockery Of Freedom
[email protected]

لقراءة المزيد من الترجمات

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock