ترجمات

العلاقات الاستراتيجية الأميركية-التركية.. إلى أين؟

إيان جيه. لينش* – (أحوال تركية) 3/2/2020

وضعت الأحداث في الأعوام الأخيرة ضغوطاً هائلة على العلاقة بين الولايات المتحدة وتركيا. ففي العام 2019، أسهم غزو تركيا لشمال شرق سورية وشراء أنظمة الدفاع الصاروخي الروسية إس-400 في زيادة الإجماع بين الحزبين في واشنطن على أن تركيا حليف غير موثوق به.
ونظراً لأن بؤر التوتر الحادة تثير اضطراباً في عدد من القضايا الثنائية، فإن الأمر يستحق النظر في المسارات المحتملة التي قد تسلكها تركيا على المدى الطويل وما الآثار المترتبة على العلاقات الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وتركيا.
بفضل موقعها عند نقطة الالتقاء بين أوروبا والشرق الأوسط، تحظى علاقات التعاون مع تركيا بأهمية جغرافية استراتيجية هائلة للولايات المتحدة وأوروبا. ومع ذلك، يركز صناع السياسة في الولايات المتحدة بشكل متزايد على ردود الفعل العقابية على قرارات السياسة الخارجية التركية ويشككون بشكل روتيني في عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، على الرغم من عدم وجود آلية لطرد عضو من الحلف.
لكن التخلي عن العلاقة بين الولايات المتحدة وتركيا لن يخدم المصالح الأميركية. ويميل النقاش بين الخبراء إلى التركيز على ما إذا كان يتعين على الولايات المتحدة البحث عن علاقة معاملات، أو السعي إلى مزيد من المشاركة المبدئية مع حليفها السابق.
وكما أشارت أماندا سلوت، كبيرة الباحثين في معهد بروكينغز في العام 2018، فإن “ما يجعل تركيا مثل هذا اللغز السياسي هو أن قيادتها الإشكالية تواجه تهديدات حقيقية، وهي حقيقة غالباً ما تبدو ضائعة في الغرب”.
وقالت سلوت: “في الوقت نفسه، تزداد قيادة تركيا استبداداً وتنقل البلاد بعيداً عن المعايير الديمقراطية… وبالإضافة إلى ذلك، فإن خطاب أردوغان المعادي للغرب والتحركات الدولية غير المقبولة دفع البعض في الولايات المتحدة وأوروبا إلى التساؤل عما إذا كان يأخذ التحالف عبر المحيط الأطلسي على محمل الجد”.
ما تزال حالات الانفصال الإشكالية هذه قائمة اليوم. وتقول ميرفي طاهر أوغلو، منسقة برنامج تركيا في مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط لموقع (أحوال تركية): “تتمثل المشكلة الرئيسة في السياسة الأميركية تجاه تركيا اليوم في أنها تفشل في أن تفسر بشكل صحيح دور تركيا غير الديمقراطي والمناهض للغرب تحت حكم أردوغان”.
يبدو أن بعض أجزاء البيروقراطية الأميركية تحيط علماً بالحاجة إلى مراجعة أكثر استراتيجية للعلاقة. فقد مول الجيش الأميركي ورقة بحثية حديثة صادرة عن مؤسسة الأبحاث والتطوير (راند) تحلل أربعة مسارات محتملة يمكن للسياسة الخارجية التركية اتخاذها وتأثيرها على تخطيط الجيش الأميركي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة بشكل عام.
ويتناول الجزء المتبقي من هذا المقال اثنين من السيناريوهات الأكثر احتمالاً اللذين تتصورهما مؤسسة (راند)، وهما عودة الديمقراطية إذا خسر أردوغان إعادة انتخابه في العام 2023 وإمكانية قطع أردوغان العلاقات مع الغرب بشكل نهائي في السعي لجعل تركيا قوة أوروآسيوية.
ستكون عودة الديمقراطية التي تقلل الخط الاستبدادي لحزب العدالة والتنمية الذي يقوده أردوغان الأكثر فائدة للمصالح الأميركية، ولكن هل هي إمكانية حقيقية؟
هذا ما يخمنه أي شخص وفقاً لسيبل أوقطاي، الأستاذة المساعدة والمديرة المشتركة لبرنامج الدراسات العالمية بجامعة إلينوي في سبرينغفيلد. وقالت لموقع (أحوال تركية): “ما نشهده هو نظام استبدادي تنافسي… هناك انتخابات، بالتأكيد، ولكن الملعب بعيد عن أن يكون مستوياً للمرشحين”.
وبصفتها عالمة سياسية، قالت: “أنا مندهشة حقاً من أن نسبة الإقبال ملا تزال مرتفعة في ظل هذه الظروف، وهذا يعطيني أملاً كبيراً في المستقبل على الرغم من كل الصعاب”.
وحذرت قائلة: “ما يزال احتمال هزيمة أردوغان منخفضاً للغاية في رأيي… لكن مجموعة من العوامل القليلة يمكن أن تغير هذا. أولاً، يجب أن يكون هناك مرشح معارضة قوي وجذاب”.
انفصلت شخصيتان كبيرتان سابقتان عن حزب العدالة والتنمية الذي يقوده أردوغان، هما أحمد داود أوغلو وعلي باباجان، لتشكيل حزب جديد، لكن أوقطاي قالت إنها لا تعتقد أن أياً من الرجلين يمكنه تشكيل ائتلاف واسع بما يكفي لجعله يتقدم إلى الجولة الثانية من التصويت في الانتخابات الرئاسية التي تجرى في العام 2023.
وبالإضافة إلى القيادة الكاريزمية، قالت: “يجب أن تستمر المعارضة في أن تشرح للناخبين بلغة واضحة أن تركيا قد تراجعت تحت حكم أردوغان. أكرم إمام أوغلو فعل ذلك بالضبط. لقد كشف بلا هوادة عن الفساد والإهدار في إسطنبول”.
وعلى الرغم من تدخل أردوغان في فرض إعادة الانتخابات في العام الماضي، تمكن إمام أوغلو من هزيمة خصمه في حزب العدالة والتنمية في المنافسة على منصب رئيس بلدية إسطنبول. ويتطلب تكرار هذه الاستراتيجية الكثير من الانضباط والتماسك من أحزاب المعارضة على المستوى الوطني.
تبدو الفكرة المعاكسة المتمثلة في الانهيار التام في العلاقات الأميركية التركية، مع انصراف تركيا عن حلف شمال الأطلسي وتركيزها عن كثب مع الشركاء المستبدين في أوراسيا والشرق الأوسط، غير مرجحة بالقدر نفسه، نظراً للفوائد العديدة التي تجنيها تركيا من عضوية حلف شمال الأطلسي والتجارة مع أوروبا.
ومع ذلك، تشير الورقة البحثية لمؤسسة الأبحاث والتطوير (راند) إلى أن الرؤية الأوراسيوية، “اكتسبت صدى في الأوساط السياسية والأكاديمية، لا سيما بعد قرار الولايات المتحدة في أيار (مايو) 2017 بتزويد وحدات حماية الشعب الكردية السورية بالأسلحة الثقيلة. وبحسب ما ورد، اكتسب المدافعون عن إعادة التوجيه نفوذاً بيروقراطياً حيث تولوا بعض المناصب في وزارة الخارجية والقوات المسلحة التي أخلاها المؤيدون لحلف الأطلسي الذين تم التخلص منهم في عملية التطهير في أعقاب الانقلاب”.
ومن المشكوك فيه إلى حد كبير، نظراً إلى حالة الاستقطاب السياسي في تركيا، ما إذا كان الدعم الشعبي لإعادة التوجيه الجذري للسياسة الخارجية التركية قد يتطور. ومع ذلك، من الصحيح أن كثيرين من الأتراك يعتقدون أن سياسة الولايات المتحدة تجاه سورية تضر بالأمن القومي لتركيا وأن التغيير الهائل الذي حدث بعد الانقلاب على البيروقراطية التركية قد أخرج العديد من النخب التي تفضل الانخراط مع الغرب من مواقع صنع القرار.
وقد عززت التعديلات الدستورية التي تمت الموافقة عليها في العام 2017 السيطرة الرئاسية على القوات المسلحة التركية، وهي السلطة التي استخدمتها إدارة أردوغان إما لفصل أو فرض التقاعد القسري على نسبة 46 في المائة من جنرالات الجيش وكبار الضباط.
وبحسب ورقة (راند) البحثية، “تخطط الحكومة لتجنيد حوالي 43 ألف فرد جديد لملء صفوف الرتب الشاغرة وإصلاح جميع مستويات التعليم العسكري المهني، وذلك بهدف تحطيم ثقافة القوات المسلحة التركية كأوصياء على العلمانية وضمان أن يكون المجندون الذين يتم تجنيدهم أكثر تنوعاً”.
قد تساعد إعادة تشكيل صفوف قيادة القوات المسلحة التركية حزب العدالة والتنمية إذا قرر الدفع من أجل سيناريو القوة الأوراسية، لكن ورقة (راند) البحثية تشير أيضاً إلى أن “هناك تقارير تفيد بأن ضباط الرتب المتوسطة يشعرون بالإحباط الشديد من القيادة العسكرية ويشعرون بالقلق من إبعادهم في عمليات تطهير مستمرة بعد الانقلاب”.
وتحذر الورقة البحثية من أن “هذا الاستياء قد يؤدي إلى محاولة انقلاب أخرى في وقت ما، ويبدو أن أردوغان يأخذ التهديد على محمل الجد”. سيكون أردوغان متحمساً للاستفادة من الدعم من قيادة القوات المسلحة التركية لإعادة التوجيه إلى قوة أوراسيا، لكنه سيتوخى الحذر من عدم دفع هذه الميزة بعيداً نظراً لخطر رد الفعل العنيف من الرتب الأدنى.
تجعل خطوط الصدع داخل المجتمع التركي والبيروقراطية هذه السيناريوهات الأفضل والأسوأ من منظور الولايات المتحدة غير مرجحة. وفي مقال مقبل، سوف أعرض التوجهات الأكثر ترجيحاً في السياسة الخارجية لتركيا، كحليف صعب أو موازن استراتيجي، وكيف يمكن للولايات المتحدة تكييف سياستها وفقاً لذلك.

*أكاديمي مهتم بشؤون الشرق الأوسط

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock