آخر الأخبار حياتناحياتنا

بعد الصدمات.. التصالح مع الواقع أولى خطوات العلاج

ديمة محبوبة

عمان– مصاعب الحياة والأزمات التي يعيشها الفرد هي التي تحدد هويته وحاضره ومستقبله، فأحيانا يسمع بأن فلانا طحنته الحياة لكن عوده اشتد وبات شخصا مهما في مجال عمله، أو قصة نجاح وإلهام للكثيرين من الناس.
وأحيانا يجعل الشخص من هم حوله أداة استناد ودعامات تقوية على أزمات الحياة والحوادث التي من الممكن أن يتعرض إليها.
وهذا ما حدث مع طارق المهاني، وهو أب لطفلين (ياسين وإلياس)، يعمل اليوم كاتب محتوى ومترجما، كان يعمل خارج البلاد، وبعد عودته بأقل من شهر تعرض لحادث سير مؤسف، نتج عنه إصابات بليغة وكسور في كلتا رجليه ويده اليمنى والوجه، وكانت تقاريره الطبية الأولية تفيد بحصول إصابة تفضي إلى شلل نصفي.
تلك الصدمة الكبيرة لحالته الصحية تلقاها طارق بصمت عميق؛ إذ كان يعيش ألمه وحزنه وضعفه بينه وبين نفسه، وكان حمله ثقيلا، فالتفكير بولديه وما مصيرهما يؤرقه دائما فهو أب وأم في الوقت ذاته منذ انفصاله عن زوجته أم ولديه.
ويكمل طارق “لم أحصر نفسي في هذه الفترة لزمن طويل، كان علي أن أكون قويا فهناك من هم في حاجتي، وما يزال العمر شابا على هذا العجز، خصوصا بعد أن جاءت التقارير الطبية الأخرى تفضي بأني أستطيع الوقوف مجددا، ولكن بنسبة عجز ستحددها الأيام المقبلة”.
ويستذكر أن أكثر ما كان مؤرقا له هو حمل طفليه الثقيل، وبعد أن أعاد التفكير مليا بكل ما حدث معه والخسارات التي تعرض لها، وأهمها صحته وقوته البدنية في حينها، أيقن أن ولديه باتا مصدر القوة والدافع للتعافي بأفضل حال.
وبدأت رحلة علاجه الصعبة والطويلة والمرهقة، والتي ترفع تارة من معنوياته وتارة تضرب به الأرض، على حد وصفه.
وأحيانا حتى يجعل لنفسه مساحة ووقتا للدعم النفسي، وهروبا مما يحدث حوله كان يهرب إلى فيديوهات تشجيعية أو مقالات تحث الفرد على التفكير الإيجابي والتغلب على صعوبات وأزمات الحياة.
ويكمل “في حالتي؛ لم يكن اليأس خيارا مطروحا، فكان الحل في التعافي السريع والعودة بأسرع ما استطعت إلى حياتي الطبيعية، وبالفعل ألغيت خيار اليأس والألم، والتصالح مع الواقع، وهي الخطوة الأولى لمشوار العودة”.
طارق اليوم يمشي ويستطيع أن يحمل أغراضه ويقضي احتياجاته وعمله وحتى عاد إلى قيادة مركبته.
ويؤكد “لم تكن تجربة سهلة كما تتم قراءتها، بل كانت مرحلة تحد واختيارات، فإما الاستسلام أو المواجهة”، وينهي تجربته بمقولة “أكبر المعارك تأتي لأقوى المحاربين”.
ويؤكد اختصاصي علم النفس د. موسى مطارنة، أن الحوادث أو العوارض الصحية تحمل الكثير من الآلام، أهمها الألم النفسي المتمثل بالعجز وعدم القدرة على القيام بأبسط الأمور اليومية، وهنا تكمن المعاناة.
لكن على الشخص أن يجد بصيص الأمل الذي يحرك ويغير هذا العجز والألم إلى دفعة تفاؤل وارتباط بالعلاج الذي يحل كل ما هو سلبي ويغير الحال للأفضل، وفق مطارنة.
ويضيف “ويمكن أن يكون الهروب من خلال استخدام حوافز نفسية كالقراءة المؤثرة لروايات وأبطال غيروا حياتهم من الأسوا إلى الأفضل، وهناك الكثير من الشخصيات العالمية يمكن الحديث عنها، وكذلك من خلال مشاهدة قصص مصورة تغلبت على مآسي حياتها وجعلت من الظلام نورا، وغيرت تفكيرها لإيجابية عالية”. فالتصالح مع الواقع يعد أولى خطوات العلاج والتغيير للأفضل.
أما اختصاصي علم الاجتماع د. محمد جريبيع، فيؤكد أن الحياة تعلم الناس وتخرجهم من قوقعتهم أو حتى من غرفتهم الخاصة التي رسموها ووضعوا أنفسهم فيها، فالأزمات والحوادث رغم صعابها وألمها وحتى المصائب التي تضع الشخص فيها، إلا أنها تعد بمثابة معلم جيد للفرد.
ويلفت إلى أن العالم المتطور وتجدد التخصصات والوظائف يجعلان الفرد يجد مخرجا جديدا في حياته حسب الظرف السيئ الذي تعرض إليه.
وللخروج مما أصابه، يمكن أن يقوم الفرد بمشاركة قصصه مع أناس يحملون قصصا مشابهة، ما يجعله يستمع لتجاربهم وفشلهم ونهوضهم ويتعلم منهم فيكونون له العزم والقوة.
ويوضح أن من الحلول وجود أصدقاء حقيقيين، فلا ينكرهم وينكر وجودهم، بل يشاطرهم بما يشعر، ويسمح لهم بأن يكونوا معه وبالقرب منه فيسمعون غضبه ويشاطرونه حزنه ويفرحون لنجاحه ويشجعونه للأفضل.
وينصح مطارنة من عانى من مشكلات حقيقية وأزمات أو حوادث أو حتى صدمات الموت والفراق ويعاني من إجهاد الحزن ولشدة الألم والحزن، أنه لا ضير من الذهاب لمختص في المشاكل النفسية، وتعديل السلوك للحديث عن المشكلات الحقيقية والمشاعر التي تعرض لها، ويطلب المساعدة الحقيقية.
ويلفت “إذ يوصي الطبيب بتناول جرعات دوائية وبشكل خاص مضادات الاكتئاب والاستخدام المحدود لأدوية تساعد على النوم المريح في الليل. وقد يحتاج الإنسان إلى دعم جماعة إسناد للتخلص من الأسى. ويفضل استشارة الطبيب إذا كان الفرد يميل لاستخدام الأدوية المهدئة بصورة مفرطة”.
ويعرف مطارنة أن الأزمات والمصائب أمر عرضي يؤثر على جوانب الحياة المختلفة، السلوكية والاجتماعية والوجدانية، يؤدى إلى فقدان الشعور بالسعادة وبالتالي يشل دوره الاجتماعي والوظيفي في الحياة.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock