السلايدر الرئيسيترجمات

مخاطر ومكافآت التدخل الروسي في سورية

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

عمر العمراني – (مركز التوقعات الاستراتيجية “ستراتفور”) 24/10/2019
الصورة الكبيرة
في خضم منافسة القوى العظمى التي تخوضها مع الولايات المتحدة، سعت روسيا إلى توسيع نطاق نفوذها وتأثيرها في الشرق الأوسط وما وراءه من خلال مهمتها في سورية. وتَعِدُ هذه العملية، التي تعد أخطر مسعى روسي بعيد المدى منذ نهاية الحرب الباردة، بمكافآت كبيرة، ولكنها تَعرضُ مخاطر كبيرة أيضاً.
إضاءات
• سوف تستمر روسيا، التي أرسلت قوة صغيرة نسبياً فقط إلى سورية، في جني مكافآت دبلوماسية وتجارية وعسكرية كبيرة من عملياتها هناك.
• مع ذلك، يزيد الوجود المستمر لروسيا في سورية من خطر تحول عمليتها إلى مستنقع مكلف.
• بشكل خاص، قد تجد روسيا من الصعب الفصل القوات بين السورية والتركية بينما يصبحان على تماسّ أكبر في شمال شرق سورية.
* * *
بعد مرور ما يزيد قليلاً على أربع سنوات على بدء التدخل العسكري الروسي في سورية، تواصل موسكو التمتع بالمكافآت الدبلوماسية والتجارية والعسكرية لعملياتها في بلاد الشام. فمن خلال دق إسفين بين أعدائها في الناتو، واختبار أسلحة جديدة، وأكثر، حققت روسيا عدداً من النجاحات الاستراتيجية والتكتيكية في سورية. وعلى الرغم من هذه المكاسب، فإن الأمر ليس كله إبحاراً سلساً لموسكو إلى الأمام: فمن تعرض أكبر لهجمات المتشددين، إلى احتمال معاناة روسيا من أضرار جانبية في معارك القوى الإقليمية، ثمة الكثير من المخاطر التي تنتظر موسكو على الطريق.
جدارة الاستثمار
كان أحد أبرز إنجازات التي حققتها روسيا في سورية هو المكاسب الضخمة التي جنتها بتكلفة منخفضة نسبياً. فمن خلال المساهمة بقوة قوامها حوالي 5.000 فرد، والذين انخرط معظمهم في مهمات الدعم الجوي، والواجبات الاستشارية والعمليات الخاصة، عملت موسكو (بالاشتراك مع طهران) على ضمان استقرار الحكومة السورية المترنحة، واستعادة هيمنة دمشق على الميدان ضد المتمردين في البلد. وعمل هذا بدوره على تأمين قواعد روسيا السوريّة -التي تضم الآن ميناء وقواعد جوية مختلفة- وأتاح لها الوصول إلى عدد من المصالح التجارية في البلد، وعزز التقدير العالمي لبراعتها العسكرية، ومهد الطريق أمامها للحصول على دور دبلوماسي أكبر في المنطقة.
في المجال الدبلوماسي، وسعت روسيا شراكتها مع إيران، وحولت المواجهة المتوترة مع تركيا إلى علاقة مزدهرة، وأصبحت لاعباً إقليمياً حاسماً لا يمكن تجاهله بالنسبة لإسرائيل والأردن، والتي يستطيع العراق والسعودية بالكاد تجاهله أيضاً (وإن كان ذلك بدرجة أقل مباشرة). والأكثر من ذلك، أنها أجبرت الولايات المتحدة أخيراً على الدخول في مفاوضات مكثفة لبحث المخاوف الإقليمية، بما في ذلك المحادثات لإزالة الأسلحة الكيميائية في سورية، في الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة والقوى الغربية الأخرى تعاقب الكرملين على ضم شبه جزيرة القرم وعلى تحركات موسكو الأخرى في أوروبا.
وبالنسبة للجيش، سمح التدخل للقوات المسلحة الروسية باختبار معدات جديدة، مثل صواريخ الكروز والطائرات الجديدة، في القتال المباشر، وبأن تقوم بتدوير غالبية كبيرة من ضباطها في الميدان لمراكمة خبرة العمل مباشرة في منطقة حرب. كما ساعدها التدخل على حشد المزيد من أسواق التصدير بعد تسليط الضوء على أداء أسلحتها، ومكّنها من تجربة الاستخدام واسع النطاق لقوات المرتزقة مثل “مجموعة فاغنر”. وقد حققت روسيا كل هذه المكاسب بعدد قليل جداً من الإصابات والخسائر في المعدات، والتي بدأت القيادة العليا في الحديث عنها باستخدام تجربة سورية كنموذج لإطار جديد للعمليات التي تطلِق عليها اسم “استراتيجية العمل المحدود”.
وحتى منذ بدء التوغل التركي في شمال شرق سورية في 9 تشرين الأول (أكتوبر)، حقق الروس أهدافاً مهمة من خلال وجودهم في البلد. ولم يقتصر الأمر فقط على شروع الولايات المتحدة في الانسحاب بشكل كبير من سورية -وهو مطلب لموسكو منذ وقت طويل- وإنما سلمت القوات الأميركية بعض قواعدها ومنشآتها مباشرة للروس، وهو ما منحهم انتصاراً رمزياً قوياً حتى أنهم كانوا سعداء جداً في استغلاله بقيمته الدعائية.
كما شهد هذا الفصل أيضاً تصعيداً كبيراً في التوترات بين اثنين من حلفاء الناتو الرئيسيين؛ الولايات المتحدة وتركيا. وتشكل الانقسامات بين أكبر جيشين في “الناتو” أخباراً مرحباً بها للغاية بالنسبة لموسكو، التي تستمر في اعتبار هذا التحالف تهديداً أمنياً خطيراً. وتعمل روسيا جاهدة على تشجيع هذا الانقسام؛ حيث تبيع أنظمة الأسلحة الرئيسية لتركيا، مثل منظومة الدفاع الجوي، S-400، التي تعمل على تعقيد قابلية التشغيل البَيني لمعدات حلف “الناتو”، وتساعد على إحداث تحول في الاصطفاف التركي في اتجاه موسكو من خلال تقديم تنازلات استراتيجية محدودة للأتراك في سورية، مثل ما حدث عندما وقفت روسيا على الهامش أثناء الهجوم التركي على عفرين السورية في كانون الثاني (يناير) 2018، أو عندما عقدت اتفاقاً مع تركيا في 22 تشرين الأول (أكتوبر) يتضمن إجبار الأكراد السوريين على الابتعاد عن الحدود التركية-السورية.
قاد الهجوم التركي الأحدث في شمال شرق سورية والانسحاب الأميركي اللاحق قوات سورية الديمقراطية إلى التواصل مع الحكومة السورية، مما سمح لقوات الرئيس بشار الأسد ببسط سيطرتها على أجزاء واسعة من البلاد. ويعزز كلا هذين التطورين بشكل كبير نفوذ روسيا وموقعها في البلاد، سواء من خلال استثمار وجود حكومة سورية أقوى وأكثر رسوخاً والتي تخضع لنفوذ روسي مباشر، أو بجعل موسكو وسيطا لا غنى عنه بشكل متزايد بين جميع القوى الرئيسية المتبقية في سورية، بما في ذلك قوات سورية الديمقراطية وتركيا.
مياه متلاطمة في الأمام
على الرغم من كل المكاسب التي حققتها روسيا من خلال انخراطها في سورية، ثمة أكثر من بضع غيوم في الأفق. ويتمثل الخطر الأول الكبير في القتال البعيد كل البعد عن الانتهاء ضد الجماعات المتطرفة في المنطقة. ومع التشوش الأخير الذي تعاني منه قوات سورية الديمقراطية، واضطرار الأميركيين إلى مغادرة البلد، وتركيز الأتراك على قتالهم ضد وحدات حماية الشعب -التي يتكون عمودها الفقري في معظمه من قوات سورية الديمقراطية- أصبحت لدى “داعش” فرصة ذهبية لإعادة بناء نفسه في فراغ السلطة الناتج في شرق سورية. وسوف تعزز الأعداد الكبيرة من المتطرفين العنيفين الذين يفرون حالياً من معسكرات الاعتقال التي كانت تشرف عليها قوات سورية الديمقراطية في شمال شرق سورية المجموعة بشكل كبير في هذا المسعى. وعلاوة على ذلك، ستكون الجماعات المتطرفة الأخرى غير التابعة لـ”داعش” في البلد، مثل مجموعة “حراس الدين” التابعة لتنظيم القاعدة، أكثر قدرة على بناء قوتها؛ حيث ينتقل التركيز الكلي من معقلها في محافظة إدلب إلى أجزاء أخرى من سورية. ويمكن أن تجد روسيا نفسها مضطرة إلى تخصيص المزيد من القوات والموارد للحملة في سورية لمحاربة التشدد المنبعث مجدداً، والذي ينظر إلى موسكو بشكل متزايد على أنها عدو أساسي.
بل إن من أبرز إنجازات روسيا خلال العام الماضي -الإسفين الذي ساعدت على دقه بين تركيا والولايات المتحدة- ينطوي في حد ذاته على بعض المخاطر الكبيرة بالنسبة لروسيا. وأول هذه المخاطر هو الاحتكاك المتزايد الذي لا بد أن يظهر في سورية بين أنقرة وموسكو؛ حيث يشترك الطرفان في خط المواجهة المتنامي في جميع أنحاء البلاد مع انهيار قوات سورية الديمقراطية ومغادرة الولايات المتحدة. وحتى الآن، كانت نقطة التماس الرئيسية الوحيدة بين قوات الطرفين هي الحدود الفعلية في غرب سورية بين وكلاء تركيا وقوات الحكومة السورية المدعومة من روسيا. والآن، مع ذلك، سوف تمتد الخطوط الأمامية ونقاط التماس بين الطرفين إلى شرق نهر الفرات، مما يعني أن فرص حدوث مناوشات محتملة بين الوكلاء سوف تزداد -الأمر الذي قد يجر موسكو وأنقرة إلى اشتباكات محتملة مع بعضهما بعضا.
وثمة خطر آخر على روسيا، والذي ينبع من العلاقات المتوترة بين الولايات المتحدة وتركيا، هو مسألة الأسلحة النووية، وخاصة الانهيار المحتمل للمشاركة النووية بين واشنطن وأنقرة. فكجزء من الردع النووي الموسع الذي تقدمه الولايات المتحدة لحلفائها في الناتو، تمتلك القوات الأميركية حوالي 50 قنبلة نووية من طراز B61 مخزنة في قاعدة إنجرليك الجوية في تركيا. وتشكل هذه الأسلحة طمأنة لحلفاء الناتو، مثل تركيا، بأنهم لن يكونوا بلا حماية ضد أي هجوم نووي، على الرغم من أن الدول المضيفة لا تستطيع السيطرة على هذه الأسلحة مباشرة من دون تصريح من الولايات المتحدة. ومع تنامي الخلاف بين الولايات المتحدة وتركيا، أصبح مصير سياسة المشاركة النووية هذه موضع تساؤل الآن. وذكرت صحيفة “نيويورك تايمز”، مؤخراً، أن مسؤولين من وزارة الخارجية الأميركية ووزارة الطاقة الأميركية يراجعون مستقبل الأسلحة النووية الأميركية في تركيا. وفي حال قررت الولايات المتحدة أخيراً سحب تلك الأسلحة، فيمكن أن تقرر تركيا متابعة برنامج أسلحة نووية خاص بها، وهو ما قد يؤذن ببدء انتشار الأسلحة النووية في جميع أنحاء المنطقة؛ حيث من المحتمل أن تحاول دول أخرى مثل المملكة العربية السعودية أن تحذو حذوها. وستكون النتيجة سباق تسلح خطير يمكن أن يزعزع استقرار المنطقة ويجلب المزيد من الأسلحة النووية بالقرب من الحدود الروسية.
كما يضع موقف موسكو الأقوى في سورية روسيا في خضم العداوات الإقليمية الكبيرة، خاصة بين إيران وإسرائيل. وقدمت كل من موسكو وطهران دعماً كبيراً للحكومة السورية، لكن القوات الروسية قد تجد نفسها عالقة في تقاطع تبادل لإطلاق النار في حال اشتبك الجنود الإيرانيون القريبون في قتال مع إسرائيل. وفي واقع الأمر، عانى الجنود الروس مسبقاً من خسائر جراء الصراع الإسرائيلي-الإيراني؛ حيث أسقط صاروخ أرض-جو سوري بالخطأ طائرة على متنها 15 فرداً روسيا في أيلول (سبتمبر) 2018 بينما كانت القوات الحكومية السورية تحاول صد غارة جوية إسرائيلية. وحتى لو كانت القوى الغربية تتخلى عن سورية وتغادرها، فقد تعاني القوات الروسية أيضاً من أضرار جانبية في ضربة انتقامية ضد قوات الأسد إذا لجأ السوريون مرة أخرى إلى استخدام الأسلحة الكيميائية بشكل ملفت.
حتى الآن، كانت الإقامة المؤقتة لموسكو في سورية نجاحاً. فبالحد الأدنى من النفقات، جنت روسيا المكافآت، وأصبحت أقوى لاعب في البلد. لكن وجودها الأكبر والأوضح الآن يجعل موسكو أكثر عرضة للهجمات التي يشنها المتشددون والوقوع في تقاطع النيران المتبادلة بين الخصوم الإقليميين، بينما وسعت التزاماتها أيضاً لحماية مصالحها ومصالح الحكومة السورية. وهكذا، بالنسبة لروسيا، تأتي القوة الكبرى في نهاية المطاف بمسؤولية أكبر -بالإضافة إلى التعرض لمخاطر جديدة.

*نشر هذا التحليل تحت عنوان: The Risks and Rewards of Moscow’s Mission in Syria

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock