ترجمات

الولايات المتحدة تستعد لسحب قواتها من سورية: ما الذي يعنيه ذلك؟

ديفيد أ. ويمر – (مجلس الأطلسي) 19/12/2018

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة

ستكون روسيا هي الرابح الأكبر من سحب القوات الأميركية من سورية، لأن حلفاء الولايات المتحدة التقليديين في المنطقة أصبحوا ينظرون إليها الآن بوصفها المحاور الدولي الوحيد القابل للبقاء. وعلى المستوى المحلي، يعني الانسحاب أن الولايات المتحدة باعت الأكراد، مع احتمال تصعيد تركي في شمال سورية. وليس لدى الأكراد خيار آخر الآن سوى التوصل إلى اتفاق مع دمشق. وهذا فوز كبير للأسد، الذي سيكون قادراً على استعادة حوالي 25 % من الأراضي المتبقية الآن في أيدي قوات سورية الديمقراطية.
* * *
تشير تقارير وسائل الإعلام إلى أن إدارة ترامب بدأت التخطيط لسحب القوات المسلحة الأميركية من شمال شرق سورية، حيث يعتقد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأننا “هزمنا داعش في سورية”.
في 19 كانون الأول (ديسمبر) قالت السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض، سارة هاكابي ساندرز: “قبل خمس سنوات من اليوم، كان داعش قوة شديدة البأس والخطورة في الشرق الأوسط، والآن هزمت الولايات المتحدة الخلافة وجردتها من الأرض… وقد بدأنا بإعادة قوات الولايات المتحدة إلى الوطن بينما ننتقل إلى المرحلة التالية من هذه الحملة. وتقف الولايات المتحدة وحلفاؤنا على أهبة الاستعداد لإعادة الانخراط على جميع المستويات للدفاع عن المصالح الأميركية عند الضرورة”. ووفقاً لمصادر من وزارة الدفاع الأميركية، فإن الولايات المتحدة أبلغت بالفعل بعض شركائها بنيتها سحب قواتها من سورية.
يأتي الانسحاب المحتمل بينما تستمر التهديدات باندلاع عنف جديد في الجزء الشمالي من سورية. ففي 17 كانون الأول (ديسمبر)، واصل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تحذيره من أن قواته سوف تتحرك قريباً لمهاجمة وحدات حماية الشعب الكردية وقوات سورية الديمقراطية، اللتين تعتبرها أنقرة منظمتين إرهابيتين تتعاونان مع حزب العمال الكردستاني عبر الحدود التركية السورية. وقد دعمت الولايات المتحدة قوات سورية الديمقراطية في الحملة ضد “داعش” منذ أواخر العام 2015.
يوم يوم 14 كانون الأول (ديسمبر)، أجرى الرئيس الأميركي دونالد ترامب مكالمة هاتفية مع نظيره التركي أردوغان، في محاولة لتجنب هجوم تركي كان من الممكن أن يضع القوات الأميركية في تقاطع إطلاق النار. وخلال حضور مناسبة في مجلس الأطلسي في 17 كانون الأول (ديسمبر)، قلل المبعوث الأميركي إلى سورية، جيمس جيفري، من أهمية دعم الولايات المتحدة للميليشيات الكردية، وقال أن دعم واشنطن للمجموعات كان لـ”هدف محدد: هو هزيمة داعش”. وحذر جيفري من أن على الأكراد السوريين أن يسعوا إلى “أن يصبحوا جزءاً من نسيج مجتمع سوري متغير”، بدلاً من السعي إلى إقامة دولة مستقلة. وأضاف جيفري أن الولايات المتحدة “لا تقيم علاقات دائمة مع الكيانات البديلة”.
في وقت متأخر من يوم 18 كانون الأول (ديسمبر)، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية أيضاً أنها وافقت على طلب تركيا شراء 140 صاروخ باتريوت والمعدات المرتبطة بها. وكانت خطط تركيا لشراء نظام الدفاع الصاروخي “أس-400” من روسيا، وهي خطوة تعارضها الولايات المتحدة بشدة، قد وضعت مزيداً من الضغوط على علاقة كانت متوترة سلفاً بين البلدين بسبب الدعم الأميركي للأكراد السوريين. وجادلت أنقرة بأنه لم يكن أمامها خيار سوى شراء نظام “أس- 400” الروسي، لأن واشنطن رفضت بيع تركيا صواريخها الخاصة. ويمكن أن تؤدي موافقة 18 كانون الأول (ديسمبر) هذه إلى تمهيد الطريق أمام حل الخلاف بين الدولتين.
يأتي احتمال تجدد العنف في شمال سورية في الوقت الذي ارتطم فيه مقترح سلام رئيسي بالعقبات في جنيف في 18 كانون الأول (ديسمبر). ولم يتحقق حتى الآن اقتراح مشترك تقدمت به روسيا وإيران وتركيا لإنشاء هيئة دستورية جديدة لسورية. وكان وزراء خارجية الدول الثلاث يأملون في تسليم قائمة بأعضاء اللجنة المحتملين إلى المبعوث الخاص للأمم المتحدة، ستافان دي ميستورا، في الأسبوع الماضي قبل تقديمها إلى مجلس الأمن الدولي في 20 كانون الأول (ديسمبر). وتأمل روسيا وإيران وتركيا في مواصلة المحادثات حول اللجنة في العام الجديد.
فيما يلي، يعلق خبراء “مجلس الأطلسي” على الأخبار التي تفيد بأن الولايات المتحدة تخطط للانسحاب من سورية.
• ويليام ف. فيشلر: كبير مستشاري برامج الشرق الأوسط في مجلس الأطلسي والمدير المؤقت لمركز رفيق الحريري للشرق الأوسط. ومن بين مناصبه السابقة، نائب مساعد وزير الدفاع للعمليات الخاصة ومكافحة الإرهاب ونائب مساعد وزير الدفاع لمكافحة المخدرات والتهديدات العالمية.
“لن نغادر طالما كانت القوات الإيرانية تعمل خارج الحدود الإيرانية، وهذا يشمل الوكلاء والمليشيات الإيرانية”. هذا ما قاله مستشار الأمن القومي جون بولتون في شهر أيلول (سبتمبر)، ملتزماً بأن القوات الأميركية سوف تبقى في سورية طالما بقيت القوات الإيرانية في ذلك البلد. وفي 17 كانون الأول (ديسمبر)، هنا في مجلس الأطلسي، دعا المبعوث الأميريكي الخاص إلى سورية، جيمس جيفري، مرة أخرى إلى الإطاحة بالقوات الإيرانية، مما يوحي بأن تلك القوات لم تغادر بعد. ولكن، بعد مرور 48 ساعة، علمنا أن القوات الأميركية تستعد بالفعل لانسحاب “كامل” و “سريع” من سورية.
“سوف يشعر الأكراد الذين قاتلوا بفعالية إلى جانب القوات الأميركية ضد تنظيم الدولة الإسلامية بالخيانة مرة أخرى، بسبب هذا التحول إلى الاتجاه المعاكس في السياسة الأميركية. وكان هذا أيضاً ما ألمح إليه جيفري يوم الإثنين عندما قال: “نحن لا نقيم علاقات دائمة مع كيانات الدول الفرعية”. ومع ذلك، فإن لدينا علاقات دائمة مع الدول نفسها. وهكذا، أخطرت وزارة الخارجية الأميركية الكونغرس يوم أمس بتحول آخر في السياسة، والذي سمح لتركيا بشراء نظام الدفاع الصاروخي الأميركي من نوع باتريوت. وهذه محاولة لوقف شراء تركيا المخطط له لنظام دفاع صاروخي روسي منافس. لا شك أن التوقيت المتزامن تقريباً لهذه التغيرات في السياسة ليس مصادفة، وهو يعكس استنتاجاً خلصت إليه إدارة ترامب بأن إعادة تركيا إلى مدار حلف الناتو هو أكثر أهمية من المصالح الأميركية الأخرى في شمال شرق سورية.
“من المؤكد أن الاتجاه المستقبلي لتركيا مهم. وكانت إدارة ترامب دائماً غير مقنعة عندما جادلت بأن وجودنا العسكري في شمال شرق سورية كان له دور كبير في كبح إيران، التي تعمل في أجزاء أخرى من البلاد. وعلاوة على ذلك، فإن حجتنا القانونية للبقاء في سورية، غير المتماسكة في جوهرها كما هي، تستند بشكل كامل على الحملة العسكرية ضد تنظيم الدولة الإسلامية. وهذه الحملة لم تنته بعد، لكنها أصبحت تخفُت. ولذلك، فإن أي خطوة لخفض الوجود الأميركي في سورية ليست مفاجئة أو غير مرحب بها. ولكن إذا كان العقد الماضي قد علّمنا أي شيء، فهو وجوب إدراك أنه ما دامت المظالم السنية المشروعة مستمرة، فإن التهديد بعودة الجماعات الإرهابية الجهادية السلفية سوف يظل قائماً. وسيكون من الأفضل ترك وجود صغير لقوات العمليات الخاصة الأميركية، لكي تواصل العمل مع الأكراد للمساعدة في التحوط ضد تحقق هذه النتيجة. وسوف يرسل الانسحاب الكامل إشارة خاطئة، وهي إشارة سيسمعها أيضا شركاء آخرون في مكافحة الإرهاب بعيداً عن سورية”.
* * *
• راشيل براندنبورغ: مديرة مبادرة الشرق الأوسط الأمنية في مركز سكوكروفت للاستراتيجية والأمن التابع لمجلس الأطلسي. عملت سابقاً مديرة قسم العراق وبلاد الشام في مكتب وزير الدفاع لشؤون سياسة الشرق الأوسط.
“من شأن الانسحاب الفوري للقوات الأميركية من سورية أن يرسل إشارة إلى شركاء محليين وإقليميين حول التزامنا -ليس بالتوصل إلى تسوية دبلوماسية في سورية فحسب، وإنما أيضاً بالنهج المعلن للإدارة الأميركية المتعلق بمواجهة إيران في سورية وإلحاق “الهزيمة الدائمة” بتنظيم داعش. كانت حتى بصمة أميركية صغيرة في سورية قد طمأنت بعض الشركاء الرئيسيين إلى أن الولايات المتحدة ما تزال قلقة على أمنهم، وهو ما أتوقع أن أن يضعه انسحاب سريع موضع الشك”.
* * *
• فيصل عيتاني: زميل بارز مقيم في مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط التابع لمجلس الأطلسي.
“يبدو أن الخطة الأميركية التي حدد أطرها العامة السفير جيمس جيفري قبل يومين في مجلس الأطلسي بدت دائماً متعارضة مع غرائز الرئيس لفك الارتباط مع سورية. هذه ليست نتيجة مفاجئة.
“الآثار المترتبة على الأهداف التي حدد المبعوث جيفري ستكون عميقة. وقد تكون المعركة ضد “داعش” أقل المتضررين في الحقيقة. لم يكن “داعش” سيختفي بسبب عملية لمكافحة الإرهاب، وسوف يعود إلى الظهور في شكل ما على أي حال. سوف نفقد أي روافع كانت لدينا ضد الأسد أو إيران -على الرغم من أنني لم أعتقد أنها ارتقت أبداً إلى الكثير من دون تفويض عسكري جسور. أتوقع أن يترتب على هذه الخطوة استيلاء تركي وإيراني على الأراضي إذا لم يكن هناك ضمان أمني أميركي للأكراد”.
* * *
• منى العلمي: زميلة رفيعة غير مقيمة في مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط التابع لمجلس الأطلسي.
“على المستوى الإقليمي، سوف يُلحق الإعلان المزيد من الضرر بمصداقية واشنطن، خاصة بعد تصريحات بريت ماكغورك وجيمس جيفري فيما يتعلق بالقضاء على “داعش” واحتواء إيران في سورية. وستكون روسيا هي الرابح الأكبر لأن حلفاء الولايات المتحدة التقليديين في المنطقة أصبحوا ينظرون إليها الآن بوصفها المحاور الدولي الوحيد القابل للبقاء.
“على المستوى المحلي، يعني الانسحاب أن الولايات المتحدة باعت الأكراد، مع احتمال تصعيد تركي في شمال سورية. وليس لدى الأكراد خيار آخر الآن سوى التوصل إلى اتفاق مع دمشق. وهذا فوز كبير للأسد، الذي سيكون قادراً على استعادة حوالي
25 % من الأراضي المتبقية الآن في أيدي قوات سورية الديمقراطية.
“سوف تكون لهذه الخطوة أيضاً انعكاسات إيجابية على “داعش” الذي ما يزال يعمل في شرق سورية. وباعتراف الولايات المتحدة، لم يتم تدريب عدد كاف من المقاتلين على كيفية إضفاء الاستقرار على المنطقة بعد الانتصار على “داعش”. وكانت الولايات المتحدة تهدف إلى تدريب ما يصل إلى 40.000 من الناس المحليين. وقال رئيس أركان الجيش الجنرال جوزيف دونفورد مؤخراً أن هناك قوات لمقاتلة “داعش”، ولضمان الاستقرار، والمساعدة في الدبلوماسية. ولكن، تم تدريب 8.000 فقط حتى الآن، وقد أصبح إضفاء الاستقرار على المنطقة الآن موضع شك.
“وهي أيضاً فوز كبير لإيران، التي كانت مهددة باحتواء الولايات المتحدة لها في سورية. ومع الانسحاب، سوف تُترَك إيران لتحافظ على وجودها بحرية هناك، وبشكل أكثر تحديداً من خلال الاحتفاظ بممر بري يربط طهران بلبنان.
“وأخيراً، كان يُنظر إلى الوجود الأميركي في سورية على أنه رادع للنظام، وأنه يوفر لواشنطن نفوذاً على العملية السياسية في البلد. ويعني الانسحاب غير المشروط أن الولايات المتحدة ستخسر أي نفوذ لديها لفرض أي تنازلات من كل من إيران والأسد”.

*مدير مساعد، وكاتب افتتاحيات في مجلس الأطلسي.
*نشر هذا التحليل تحت عنوان: US Preparing to Withdraw Troops From Syria: What Does It Mean?

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock