هل شاهدتم بوتين وأردوغان؟

ترى كيف يتابع المتعصبون من "جماعتنا" على الطرفين مباحثات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان في اسطنبول؟ فبيننا بالفعل من مايزال يرفض القبول ببدهية في علم العلاقات الدولية مفادها أن السياسة لعبة مصالح.اضافة اعلان
تركيا وروسيا يقفان على طرفي نقيض في الأزمة السورية، لابل يخوضان حربا بالوكالة وقودها دماء السوريين، لكن تلك الحرب الضروس لاتحول أبدا دون لقاء يجمع الزعيمين لبحث المصالح المشتركة، وهي مروحة واسعة من التبادلات الاقتصادية، والمشاريع الحيوية. روسيا حصلت على عطاء إنشاء أكبر محطة نووية لتوليد الطاقة في تركيا بكلفة تتجاوز 20 مليار دولار. وتركيا هي ثاني أكبر مستورد للغاز الروسي، وطموح البلدين حاليا هو زيادة حجم التبادل التجاري بينهما إلى نحو 100 مليار دولار في السنة.
بين البلدين تاريخ طويل من الخلافات يمتد إلى الزمن الإمبراطوري، وأضيف إليه حديثا الموقف التركي من الأزمة في أوكرانيا.
تركيا وروسيا مجرد نموذج لحالات مشابهة في العلاقات الدولية المعاصرة، والتي تمتاز بجدلية تتعايش داخلها المصالح والخلافات.
أصحاب السياسة في العالم العربي، مايزالون أسرى لمعادلة الحرب الباردة، وصراع القطبين، وقلة من نخب العمل السياسي والحزبي تهضم فكرة التعددية في العلاقات الدولية. لقد طالب بعضنا بجد بقطع العلاقات مع تركيا، وآخرون لم يترددوا في الدعوة "لمعاقبة" موسكو على موقفها من سورية. لم يسأل أحد من هؤلاء بالمصالح الوطنية لبلده.
وثمة طرف آخر يؤمن بأن العلاقة مع تركيا على سبيل المثال يجب أن تكون على حساب العلاقة مع موسكو، وهكذا يدخل في سباق بين الثنائيات المتناحرة. أنصار هذا الرأي مسكونون بفكرة الأحلاف، والخنادق التي لا تتسع لغير الأصدقاء المتفقين على كل شيء.
مثل هذه الخنادق لم تعد موجودة في العالم المعاصر. المصالح المشتركة لا تترك مجالا للعداء المطلق بين الدول، خاصة الصغيرة ومحدودة الثروات منها، ليس من سبيل أمامها سوى تنويع الخيارات، والانفتاح على جميع الأطرف.
ربما يصلح الأردن مثالا على نظرية التنويع هذه. فمن حيث المبدأ الأردن حليف استراتيجي للولايات المتحدة الأميركية، والغرب عموما، لكنه يرتبط بعلاقات وثيقة مع روسيا؛ يستورد منها بعض أنواع السلاح، ويدخل في شراكة لبناء محطة لتوليد الكهرباء تعمل بالطاقة النووية، وحزمة أخرى من المشاريع الاقتصادية في عديد القطاعات. ما المشكلة في ذلك، مادام الهدف هو خدمة المصالح الوطنية؟
المشكلة أن من بيننا من يريد خوض معارك الآخرين على حساب مصالحنا الحيوية. نحارب تركيا من أجل عيون النظام السوري، ونضحي بعلاقاتنا مع روسيا لمجرد أنها تدعم نظاما "دكتاتوريا يقتل شعبه".
بعد قرابة أربع سنوات من الأزمة في سورية، أدركت مختلف الدول التي تورطت في الصراع أن القطيعة لا تفيد في شيء، وقد بدأنا نشهد عودة متدرجة لخطوط الاتصال بين عواصم الإقليم؛ الرياض وموسكو، طهران، ومصالحة خليجية عاد بموجبها سفراء السعودية والبحرين والإمارات إلى قطر بعد أشهر من التصعيد. حتى إيران وتركيا اشتغلت بينهما الدبلوماسية من جديد بعد مناوشات سياسية، واتهامات متبادلة.
في عالم اليوم،وضعت المصالح الاقتصادية حدودا لطموح القادة السياسيين.