آخر الأخبار حياتناثقافةحياتنا

حين ضاع أحمد

ريم أبو صيام

أذكر أنها كانت ليلة عيد..

أخي أحمد ضاع في السوق..

ابتلعته الحشود والثياب الطويلة المعلقة وأحذية الكبار وألعاب المساكين..

لم يكن أحمد حينها قد تجاوز العامين..

كان هادئاً خجولاً يتعثر أول الكلام فلا اكتملت له جملة ولا أوضح طلباً أو فكرة..

وجنت أمي؛ وين أخوكم؟ ضاع الولد..

وكنت طفلة إلى حد أنني أجهل ما يعنيه ضياع الولد.. وهستيريا الأمهات وفقد الصواب..

لكني شعرت بيدي باردة تماماً.. وليس في ثوبي جيوب..

وبقيت في مكاني أتفرج على الراكضين..

كلهم يبحثون.. ينادون.. يترقبون..

وأنا وحدي ساكنة يشغلني اكتشاف التيه..

كنت أصغر من الهلع.. وأكبر من دمع.. فلم يحدث قبل ذلك أن أملى عليّ أحد كيف يتصرف الصغار في هكذا موقف كما يجب وبالشكل الصحيح الذي لا يعقبه توبيخاً أو عقاب..

وتحركت أمي، ومشيت خلفها مثبتة عيناي على حقيبتها.. كنت أخطو خلف الحقيبة كيفما اتجهت.. فوحدها الحقائب في تلك الأيام كانت تميز الأمهات عن بعضهن في بلاد العباءات السود..

وفجأة لمحت قميص أحمد تمتد منه يد صغيرة إلى قبضة رجل أمن..

وحين اقتربت منه.. كان هو الآخر أصغر من الهلع وأكبر من دمع..

وفي الطريق إلى الدار كنت أضحك في سري؛ لن أخاف مثل الكبار يوماً.. الضياع والتيه لا يستمران إلى الأبد.. لن أكترث للحشود والتزاحم وأطنان البضائع المعلقة في الأعياد.. لن أتتبع حقيبة أمي بعد الآن.. لن يقتادني رجل الأمن إلى السجن ان لم أنهي صحن الملوخية على آخره، فرجال الأمن وجدوا لإعادة أخي أحمد..

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock