ثقافة

في ذكرى رحيله ال 19 : مؤنس الرزاز ما يزال يحرس ذاكرة المدينة

غازي الذيبة

عمان – في مساء الثامن من شباط (فبراير) 2002، حلقت طيور عمان حزينة، فمؤنس الرزاز الذي كان ينثر لها قمح حقوله، ترك مقعده في مقاهي المدينة، مقعد الروائي العماني بامتياز، كما كان يحب أن يشار إليه، ذاك أن عمان عنده، هي مدينة “الحب الأخوي”، المدينة التي رأى فيها حضنا دافئا لكل اللائذين بها.
لم يفارق فضاؤها المكاني والإنساني، بل مضى بكل دفئه ونقائه للتعلق بأدراجها وجبالها وناسها وبيوتها المعتقة، مستلهما قصصها في أعماله، فحفظ له العمانيون هذا الود وما يزال يحضر في تاريخ مدينتهم وناسها، وكأنه ما يزال ينبض بينهم.
وكان مقاله اليومي في صحيفتي الدستور ومن ثم الرأي، وجبتهم الصباحية، يقرأون فيه همومهم وأحلامهم وتطلعاتهم، وكما لو انه حارسهم الذي لم يتوقف عن جس نبضهم، وكشف ملامح أوراحهم في عرض أحوالهم، بجرأة نادرة.
اليوم، أستعيد ذكرى رحيله، متأملا استمرار حضوره المريح والقلق في آن، منتظرا الجلوس برفقته في شرفة مقهى العاصمة، وسط البلد، قبل إزالة المقهى لنتناول وجبتنا اليومية من الصمت والكلمات والقهوة، نذهب في صمتنا أحيانا الى حدود إصابة الصمت بالضجر، ذاك ان الكلمات كانت تجلس مترقبة لما سيبوح به الروائي، الذي لم يتوقف للحظة عن الانشغال بمشروع كتابة رواية
أو قصة، أو مقالة.
ومؤنس؛ الذي صنفت روايته اعترافات كاتم صوت، وفق اتحاد الكتاب العرب في منتصف شباط (فبراير) العام 2000، ضمن أفضل مائة رواية في القرن العشرين، كان يدرك أن الطريقة الوحيدة التي يمكنه رؤية العالم فيها كما يريد، هي الكتابة، فقد كانت هذه الرواية في حينه، صرخة ضد العسف والاستبداد والقمع.
وعلى ما حملته من جرأة في كشف الطغيان، تجرأ مؤنس في الخروج على النمط المتعارف عليه لكتابة الرواية، نائيا بنفسه عن الأساليب المستقرة، وهو ما انتهجه تقريبا في غالبية أعماله، وكان بشر بطريقته هذه في روايته الأولى “أحياء في البحر الميت”، متبعا بذلك الأساليب الاحتجاجية في الكتابة، كما في مضامينه الخارجة على السائد، والذاهبة إلى قراءة الواقع العربي المأزوم.
في الحديث مع مؤنس حول جموحه في الكشف عن مخبوء العسف العربي، والمسكوت عنه في بيوت الظلام المستحكمة فينا، كان يتحدث بهدوء وبدون انفعال عن الحاجة للخروج مما نحن فيه، والذهاب إلى الحرية، كتابة وفعلا. فالإنسان العربي له حق بالوجود، وله حق بالحرية كاملة غير منقوصة، ولا بد أن ينال حاجاته هذه، وأن يرتبها وفق رؤيته، لا وفق الرؤية الجبرية لأي سلطة كانت.
صحيح أن مؤنس استلهم في كتابته قصته الشخصية، فهو ابن المفكر العربي القومي المعروف منيف الرزاز، وما لقيه من معاناة في سجون النظام العراقي إبان حكم صدام حسين، إلا أنه دائما كان يبوح بأن قصته هذه، هي تفصيل في قصص كثيرة عاشها كثيرون منا، ولا بد أن نتحدث عنها في الأدب والفن، حتى لا يضيع تاريخ آلامنا في مقبرة البساطير.
كتب مؤنس – ربما تاريخه الشخصي؛ العماني، لكنه في الحقيقة كتبنا، كتب عنا، كتب لنا، ولم يتوقف للحظة في خروجه على النص السائد، بل تَحْملنا سيرته الشخصية التي يتقن معرفتها أصدقاؤه الخلص، من محمد خروب إلى هاشم غرايبة وسميحة خريس، إلى رفاق مقهى العاصمة، وقد علمت أنه كتب أوراقا من سيرته، ونشر جزءا منها، لكن أحدا حتى اللحظة لم يكتب سيرته، على النحو الذي كان يريد ان يراه هو، متمردا، ممسكا بأرقه وقلقه وسخريته من العالم وهو يغرق في وحل خديعته.
ولد مؤنس منيف الرزاز في العام 1951 في مدينة السلط، وشب في عمان، في بيت تمور فيه روح الفكر والثقافة والعلم والمعرفة والعمل العام، فوالده أحد رموز حزب البعث العربي الاشتراكي، وأمه المربية لمعة بسيسو، إحدى الرائدات الاوائل للعمل الاجتماعي والسياسي في الاردن.
انعكست دراسته للفلسفة في جامعتي بيروت العربية وبغداد، ومن ثم في جامعة جورج تاون بواشنطن، على شخصيته وكتابته، لكن الأكثر بروزا في هذه الرحلة التي استمرت 49 عاما، إقامته في بيروت بين عامي 1978 و1982 ليعمل في مجلة “شؤون فلسطينية”، ونشر قصصه في الصحف اللبنانية، وشهد وقائع الحرب الأهلية اللبنانية. ومن بيروت عاد إلى عمان، وعمل في مجلة «الأفق» فالمكتبة العامة لأمانة العاصمة، وكتب مقالة يومية في جريدة الـدسـتور، ثم انتقل للكتابة اليومية في جريدة الرأي، وبعدها أصبح مستـشاراً لوزارة الثقافة في العام 1993 وأميناً عاماً للحزب العربي الديمقراطي الأردني، وانتخب العـام 1994 رئيساً لرابطة الكتّاب الأردنيين.
أنتج ثلاث مجموعات قصصية: هي “مدّ اللسان الصغير في وجه العالم الكبير” (1975)، و”البحر من ورائكم”، و”النمرود” (1980).
ونشر 12 رواية هي “أحياء في البحر الميت” (1982)، و”اعترافات كاتم صوت” (1986)، و”متاهة الأعراب في ناطحات السراب” (1986)، و”جمعة القفاري .. يوميات نكرة” (1990)، و”الذاكرة المستباحة” و”قبعتان ورأس واحد” (1991)، و”مذكرات ديناصور” (1991)، و”الشظايا والفسيفساء” (1994)، و”فاصلة في آخر الـسطر” (1995)، و”سلطان النوم وزرقاء اليمامة” (1996)، و”عـصابة الورد الدامية” (1997)، و”حين تستيقظ الأحلام” (1997)، و”ليلة عسل” (2000).
كما ترجم عن الإنجليزية: “من روائع الأدب العالمي: قصص لمجموعة من الكتّاب” (1980)، وشارك الروائي إلياس فركوح بترجمة رواية “انتفاضة المشانق” للألماني ترافِن (1981)، ورواية “حب عاملة نحل” (1985) للروسية ألكسندرا كولونتاي.
وصدرت أعماله الكاملة العام 1993، وجمعت جريدة الرأي كتاباته اليومية فيها في كتاب بعنوان “الحاضر الغائب”.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock