منوعات

كيف تلتئم جراح القلب؟

إسراء الردايدة

عمان- ألم كبير، نبض غير متناه وشعور بالحرقة والحزن، دموع لا تجف وآهات متتالية، عيون حائرة وابتسامة باهتة، فيما تعابير الوجه هائمة غير منتظمة، والأرق رفيق الليل والسرحان في النهار، والانغلاق على النفس بعيدا عن كل شيء، سوى الذكريات، في محاولة لمواساة الذات، بدون إغفال الغضب والسخط على الطرف الآخر لبُعده.
هذا جزء من أعراض القلب المكسور، والألم المرافق لفقدان شريك أو حبيب بغتة، وما من مخرج، تمر الأيام والشهور، وهذا الشعور يزداد سوءا والكآبة مستمرة، ومرحلة الشفاء لا طريق لها إن لم تقم أنت بذلك أو على الأقل تبدي استعدادا لذلك، ومن هنا فإن إدراك أن الجرح الغائر في القلب لن يدوم، هو بمثابة أول طريق الإغاثة له، والمحاولة بيأس لترك ما كان بعد معاناة عاطفية.
حكمة قليلة هي التي يمكن أن يتحلى بها أي طرف في هذه الحالة، فمن يعاني من هذا الوضع يمر بآلام جسدية في الصدر، وتستمر لأسابيع وحتى أشهر، ويكون في حالة هيجان وتوتر تمنعه من سماع كلمة أو نداء حب، وإن مروا بها تنهمر الدموع من عيونهم، وقليل منهم من يكافح كي يبقى وحيدا، ليجدوا أنفسهم يخططون للذهاب للمكان الذي يتواجد فيه الطرف السابق للبحث عن شعلة لهب قديمة على أمل أن تشعل الشرارة بينهم من جديد.
الارتباط العاطفي، بحسب مؤلفة كتاب “healing broken heart” كاثرين أليس، مسؤول عن كثير من القلق والغيرة اللامتناهية وحزن لا ينتهي على حب ذهب وولى، ويعيق القدرة على التحرك والمضي قدما في الحياة، وبمجرد كسر الحاجز هذا، ستكون محايدا للشخص، الذي كنت تكن له كل هذه المشاعر.
ومن الطبيعي أن تنتابنا عند رؤية من كان محور حياتنا مع شخص آخر، موجات عاطفية منها البكاء والسخط والغضب والحزن، ولكن هذا لا يعني أن نتمنى لهذا الطرف المرض والكراهية والموت، بل هذا يعني ببساطة أننا لا نرى السبب الذي علقنا به عاطفيا، وهذا سبب جيد للبدء في التخلي عن كل شيء ومتابعة الحياة.
وهناك خطوات يمكن اتخاذها من شأنها تسريع عملية إطلاق هذه العواطف بحرية والتحرر من الألم شيئا فشيئا، بحسب موقع selfgrowth، وإن باشرت بها أو على الأقل المحاولة بتجربتها، ستجد نفسك قادرا على متابعة الحياة براحة أكبر، وتشعر بمساحة من التحرر من الألم وهي:
 الخطوة الأولى: أطلق العنان باستمرار، وكن واعيا للمرات التي تفكر بها بحبك السابق بعد الافتراق، فهناك أمر ما، يضغط زرا في الذاكرة أو صديق يسألك عن أحوالكما، وهذا يعني أنك لا شعوريا تبقى على كل اتصال يربطك بهذا الطرف من أفراد في العائلة وأصدقاء على أمل أن تعيد إحياء العلاقة من جديد.
الشريك السابق هو مرجع خاص بك، فإن كنت تتساءل ما الذي سيظنه إن غيرت في شكلك أو ما الذي يخطط له، فستجد نفسك في مرحلة تعذيب ذاتية، جراء التفكير في كل ما يفعله ويتخيله مع شخص آخر.
هذا النمط من التفكير، ليس مفيدا لك، ومن الواجب أن يتوقف هذا السلوك، حتى لا تبقى معلقا في تلك الزاوية المظلمة، التي تثير الشفقة وأحيانا الإحراج، فإن كان هناك سحر بينكما، وقدر لكما أن تكونا مع بعضكما، فلن يفرقكما شيء أبدا، ولكن في الوقت الحالي أنت بحاجة لترك الأمر يمضي، ويجب أن تواجه هذه الحقيقة، أنكما منفصلان، ولم تعودا ثنائيا بل كل فرد على حده.
أما طريقة تخطي ذلك، فيجب وقف كل سلوك يدفع بك نحو الطرف السابق، فلا مزيد من المكالمات الهاتفية غير المبررة، وتجنب الأماكن التي يتواجد فيها أحدكما دوما، إن أمكن ذلك. كما أنك تحتاج إلى التوقف عن التفكير، بإعادة اجتماعاتكما معا، وحتى تخيل ذلك بقدر المستطاع، وفي كل مرة تفكر بهذا تذكر “أنا حر الآن، وأنت لم تعد بحياتي، فأنت من تخلى عني وهي خسارة لك”، هذه مجرد عبارات في البداية، لكن العقل يتقبلها مع الوقت، فمع اقتناعك بها ستجد نفسك قادرا على الكف بالتفكير اللامتناهي في ذلك الشخص طوال الوقت، وسيبدأ الكون بدعمك، وتجري الأمور كما تريد، حيث تتوازى الأحداث، وتتحسن عفويتك ونفسيتك، لتسحبك باتجاه مغاير أفضل.
  الخطوة الثانية، التركيز على حياتك، وكما يقال إن ما تبحث عنه في الشخص الآخر هو نفسك، ولذا هنا أعدْ التركيز على حياتك الخاصة، حين تسحبك أفكارك نحو حبك السابق، وهذا هو الشفاء.
فخلال فترة الحزن التي تمر بها، وهو أمر طبيعي بعد التفكك، يجب البدء بفتح صفحة جديدة  لرؤية الحياة كما نريد، ولا تنسى أن العلاقات المثالية موجودة، ولم يشأ لك أن تكون برفقة هذا الفرد، وحياتك مهمة مثل حياته، والأهم من ذلك صورة أفضل ما في نفسك، وهي مهمتك الآن، بأن تعيد الأزهار والحياة لنفسك، وأن تبحث عمن يكمّلك، بدلا من البكاء على أطلال لن تعود، فتبقى عالقا مكانك، فيما الطرف الآخر يمضي ويتجاوز كل ذلك، فحينها فعلا تكون أنت الطرف الخاسر.
ولذا كن في تفكيرك قويا مهما كانت مشاعر الشوق تحكمك، وفي كل مرة فكرت بها بهذا الحنين للماضي فكر بنفسك وانظر لغد بإيجابية ولو قليلة، فلا ترى غدا مظلما أو وحيدا، بل انظر لنفسك قويا بهالة من الضوء مميزا عن غيرك، فمن لم يرَ مميزاتك الآن سيراها حين تكون مشتعلا بالبهجة والسعادة، فالعيون تعكس الرغبة للحب، وتشد الباحثين عنها، لذا أعد تكريس ذاتك لأجلك، لا لأجل بكاء على من رحل، وهذا ليس بالأمر السهل، ولكن يمكن فعله إن أردت فعلا أن تعيش بكرامة، فالذكريات ستبقى، ولكن الأشخاص يرحلون، ولا تريد العيش سجين ذكريات تاركا العمر يمضي.
 الخطوة الثالثة؛ أذب الألم، فكل الخطوات السابقة تساعدك في التعامل مع الألم العاطفي، للتخلص من هذه المشاعر، وأي جروح أخرى في حياتنا، تتصعد برفقة هذا الحدث الذي بني على عاطفة كبرى، والتي يحكمها ما يعرف بـ”هيئة الألم”، التي تنشط التفكير بعد التفكك، ولكن الوقت حان لحل هذه الهيئة، وتبتعد عن الشعور بالخسارة الفاجعة، عبر السماح لنفسك بالشعور بالألم كله وإطلاقه، لا تخزينه بالداخل، بحيث يتأجج من أقل مؤشر وتوتر، فالدموع طريق نحو الشفاء، لذا ابكِ وعانق نفسك، واسمح لنفسك بالدخول لحمام ساخن، واترك مساحة لروحك لتهيم، واحضن نفسك بعزلة قليلة، ولا تقاتل الألم داخل قلبك، واسمح له بالظهور ووافق عليه، فهو جزء من استكمال العلاج الروحي لذاتك.
ومن ثم باشر بالتخلص من مخزون الألم الداخلي، وعلم نفسك عدم الشعور بأي ألم جديد بتغيير المنظور الخاص بك من الداخل، واعلم أن لا أحد يريد إيذاءك.
كما ان إنهاء مصدر الألم المغذي الداخلي، الذي يعرف بـ”ملكة الدراما”، يحتاج خبرة في الألم وفي الحياة والعلاقات، وتلك تختلف من فرد لآخر، فالبعض يفضل الشعور كضحية، ويعيش الدور، ويصوغ سيناريوهات عليه، لذا في المرة المقبلة التي تشعر فيها بألم، توقف عن الشعور كضحية، وأخبر نفسك أنك لن تفكر به مرة أخرى، ولاحظ أنك أنت من يغذي مشاعره، فإما أن تكون من يطلقها فورا، أو يؤججها بألم لن ينتهي.
والتصرف البسيط هو عدم اليأس بشكل كبير، وحاول تذكر كل الأمور الأخرى الجيدة في حياتك، خارج نطاق دائرة ذلك الطرف، لتدفع نفسك نحو سعادة جديدة وسلام داخلي.
واعلم دوما أن القلب المكسور والألم المرافق له قد يكون الدافع لك لعالم مليء بالسحر والشفاء برغم اعتقادك أنها نهاية الكون للوهلة الأولى، ولكن في الحقيقة ما من قلب مكسور، بل إن كل قلب قادر على الشفاء، وتعلم الحب من جديد بطريقة أفضل وأكثر حنكة، وتلك هي تجارب الحياة التي تجعلنا ناضجين وحكماء ومميزين.

israa.alhamad@alghad.jo

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock