أفكار ومواقف

مخالفة قانونية أم مؤشر تدهور؟

يستند وزير التربية والتعليم د. محمد الذنيبات، إلى قانون وزارة التربية والتعليم الذي لا يجيز تدريس المواد المنهجية في المراكز الثقافية، في معركته مع أصحاب هذه المراكز؛ بإصراره على منع تدريس مناهج الثانوية العامة فيها. وهو القرار الذي يقاومه أصحاب المراكز بشراسة شديدة، لأنّه (واقعياً) بمثابة إعدام لها؛ فهي تقوم بصورة أساسية على تدريس هذه المناهج!
قرار الوزير صحيح، مبدئياً؛ ليس فقط لأنّ تدريس هذه المناهج يخالف القانون، ولكن أيضا لأنّ تدريس مناهج الثانوية في هذه المراكز، وانتشارها، يعكس في صميمه اختلالاً كبيراً في العملية التربوية والتعليمية، من زوايا متعددة. فهو، أولاً، يعكس تراجع التعليم الحكومي العام، فينتقل الاهتمام والتركيز من الصف المدرسي إلى تلك المراكز. وثانياً، ينقل اهتمام المعلّمين من القيام بالمهمة المقدّسة في المدرسة، إلى التفكير في الربح والكسب عبر هذه المراكز. وثالثاً، هو يجعل الثانوية العامة فعلاً بمثابة “سوق تجارية”، لا تقييماً للطلبة في نهاية مرحلة المدرسة، وتحضيراً لهم لدخول الجامعات!
ثمّة كثير من الكلام يقال في سلبية المراكز الثقافية، بوصفها مؤشراً على حالة التدهور الكبير في مسار التعليم العام، وفي قيمه، وما هو أهم من ذلك في عملية تسليع التعليم. لكن هذا الكلام على صحّته الكاملة، من المفترض ألا يقفز على جملة رئيسة، وهي أنّنا نتحدث عن النتائج لا عن الأسباب والشروط!
أتفق تماماً مع الحركة التصحيحية والإصلاحية التي يقوم بها الوزير في مختلف المجالات. لكن، من الضروري أن نتنبّه ونحن نواجه هذه التراكمات، إلى السياق العام لها، وإلى آفة التسليع التي بدأت تغزو التعليم في الأردن منذ ثلاثة عقود، لكنّها شهدت طفرة حقيقية منذ بداية التسعينيات، مع نمو وانتشار وصعود التعليم الخاص، الذي جعل الربح هو القيمة الحقيقية له، فيما شهد بعد ذلك التعليم العام تراجعاً ملحوظاً ومؤسفاً؛ فأصبحت هذه المراكز الثقافية بمثابة آثار جانبية، ومسألة ثانوية، ومحاولة من قبل الأهالي لتعويض أبنائهم عن غياب العدالة في الفرص التعليمية ما بين المدارس الحكومية والمدارس الخاصة التي استقطبت أهم المعلمين وأكفأهم!
عندما أعود إلى الوراء؛ إلى مدرستي التي تعلمت فيها في المرحلة الثانوية، وهي كلية الحسين للبنين، وكانت من أفضل المدارس الحكومية في المملكة، أجد أن أغلب المعلّمين المتميزين فيها انتقلوا إلى التعليم الخاص، فأسسوا مدارس ومراكز ثقافية، وأصبحوا من أصحاب الثروات. وربما لا نلومهم، فهم أيضاً يريدون استثمار مواهبهم في تحسين ظروفهم الاقتصادية، لكن النتيجة كانت هي العشوائية والتخبط في مسار التعليم العام في البلاد!
قرار الوزير، نظرياً ومبدئياً، صائب. لكنّ ملاحظات الأهالي أيضاً معتبرة. فهذه المراكز هي نتاج عدم العدالة في الفرص التعليمية، وعدم تدريس مناهج الثانوية العامة فيها سيفتح “سوقاً سوداء” كبيرة بديلة لها، لاسيما عبر الدروس الخصوصية. وربما مع زيادة الطلب وقلة العرض، سوف يتكبّد الأهالي مبالغ أعلى، ويستفيد أصحاب المراكز بدرجة أكبر. لذلك، مثل هذه الخطوة مرتبطة بخطوات موازية ومتزامنة في تطوير التعليم العام من جهة، وإعادة النظر في مناهج الثانوية العامة وأساليب التقييم من جهة أخرى.
على العموم، أتفق مع بعض الأصدقاء على “فيسبوك” بقولهم إنه لو كان هناك “شخصية العام” فستكون وزير التربية والتعليم د. محمد الذنيبات؛ لجهوده الجبارة وحركته التصحيحية، ودوره في إنقاذ امتحان الثانوية العامة. لكن يداً واحدة لا تصفق، وموضوع التربية والتعليم مترابط ومتكامل، ومن الضروري وجود رؤية استراتيجية كاملة للإنقاذ، حتى إذا غادر الوزير الحالي موقعه، لا نعود مرّة أخرى إلى المربع الأول!

تعليق واحد

  1. التربية اوﻻ
    اتفق معك استاذ ابو رمان واعتقد انه يمكن التغلب على مشكلة التدريس الخصوصي بالبيوت قانوتيا ومعاقبة من يمارسه عقوبة رادعة كما يمكن ان تعمل المدرسة برامج تقوية في داخل المدرسة مقرونة بحوافز للمعلمين

  2. تعقيب
    خطوة ممتازة نرجو ان تتبعها خطوات مماثلة من السلطات المختصة في اتجاه الجامعات الخاصة التي امسكت وقادت التعليم العالي في الاردن الى الحضيض وللعلم فان من بدا بفكرة الجامعات الخاصة الربحية على مستوى العالم هو عباقرة الاردن. ومن سمح بذلك ان ينشأ وينمو فقد ساهم ويساهم بدمار ما تم انجازه

    اصبح من يملك المال يستطيع ان يمتلك جامعة ويكون هو رئيسها.

  3. انا مع الوزير 100%
    انا مع الوزير 100%
    في ايام المدرسة كان استاذ الرياضيات رائع في الصف العاشر
    نفس الاستاذ يبدأ بالتلكؤ في الصف الاول ثانوي
    ويصرح بحاجتك الى دروس تقوية – مع انه لا يعطي نصف ما كان يعطيه من جهد من قبل
    والسبب ان تضطر ان تذهب الى مركزه او تلتحق بحصصه الخاصة

  4. كنا افضل المتعلمين والمعلمين
    إن اشد ما نخشاه في غمرة هذا الشد والإرخاء ،ان ينتصر المتمولون في ابقاء هذه السوق السوداء وكما وصفها الكاتب بإخلاص يشوبه المرارة والخوف مما سيجري بعد ان يذهب هذا الوزير ،وكا يحصل دائماً ، حينما يجتهد المجتهدون ويضعوا كل اجتهاداتهم وخبراتهم ، وتتلاشى كل جهودهم هذه حالما يتركوا مناصبهم .
    لم تصل مستويات التعليم في تاريخها السابق والحالي الى هذا المستوى الذي نشاهده من التراخي والتسيب وضعف التحصيل عند النشأة ، في هذا البلد إلا بسبب إهمال الدولة للعناية بالتعليم الرسمي ،وعدم إنصاف المدرسين الذين إنصرفوا يتلقطون ارزاقهم بمقارفة إعطاء الدروس الخصوصية في البيوت والمدارس الخاصة .
    معالي الوزير شخص امراض التعليم حيث وضع يده على الجرح ، والمطلوب من الدولة ان تسعى لتوفير العلاج ، ليس لمعالجة المرض الحالي فحسب بل لمنع عودته الى جسم التعليم مرة اخرى .
    …….. ورحم الله اياماً كنا فيها في نظر دول الجوار نصدر افضل المتعلمين والمعلمين .

  5. أولويات اصلاح التعليم العام
    كما المح المقال مشكوراً، فان الاصلاح التربوي الجوهري والمستدام يتطلب التشخيص العميق والمتكامل، وضمان الترتيب المنطقي للاصلاحات الجزئية واتساقها وشمولها، بعد الاحاطة بالأسباب والمسببات والأعراض والتحديات والأهداف الوطنية والمؤسسية. فلماذا يلجأ الأهالي الى المراكز والدروس الخصوصية؟ الأسباب هي الاقساط الفلكية والمتزايدة لمعظم المدارس الخاصة وضعف الانضباط والمهنية في المدارس العامة. اذن المراكز هي عرَض وتكلفة المدارس الخاصة وجودة المدارس العامة هي السبب الأصلي. بناء عليه، فان تدابير الاصلاح التربوي تتطلب ترتيبا مختلفاً عما هو قائم، اذا ما أريد لها الاستدامة وتحقيق النتائج المرجوة، وهو ما نتمنى على الوزارة دراسته وتنفيذه.

  6. الضرر الاصغر خير من الضرر الاكبر
    الطالب المجد والنشيط هو من ينجح وغير اثر المراكز على ارتفاع نسب النجاح لا تتجازو 2 الى 3 % لذلك اغلاقها افضل من ابقائها لاستغلال ابنائنا , حيث ينهار التدريس داخل المدرسة من قبل المعلم الذي يعلم في المركز

  7. العودة الي المربع الاول لامحالة
    ابدعت في التشخيص واجتراح الحلول والتنبؤ بالمستقبل والعودة الي المربع الاول لامحالة ليس فقط في موضوع التربية والتعليم بل اكاد اجزم وارجو ان اكون مخطئا في كافة المواضيع الاخرى التي بحاجة الي اصلاح ويحضرني هنا مااوردة احد زملائكم في المهنة ياننا نجيد التعايش مع الازمات وان ادارة الازمة في ازمة واللة يستر اخي الكاتب المخضرم الدكتور ابو رمان محمد ولك مني كل الشكر على اضافتك القيمة وتخوفك الموضوعي والمنطقي الامر الذي يتطلب الاسراع في صياغة الرؤا الاستراتيجية الكاملة للانقاذ قبل فوات الاوان والشكر موصول للغد الغراء لافساح المجال لنا للمشاركة والتواصل عبر فضائها الرقمي الحر

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock